من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
اللص والعجوز الجلدة أم الصيرفي
حدّثني [أبو جعفر] محمد بن الفضل بن حميد الصيمريّ، مؤدبي، قال:
كان في بلدنا عجوز صالحة، كثيرة الصيام والقيام، وكان لها ابن صيرفيّ منهمك على الشرب واللعب.
وكان يتشاغل بدكّانه أكثر نهاره، ثم يعود عشيّا إلى منزله، فيخبئ كيسه عند والدته، ويمضي، فيبيت في مواضع يشرب فيها.
فعيّن بعض اللصوص على كيسه ليأخذه، وتبعه في بعض العشايا، ودخل وراءه إلى الدار، وهو لا يعلم، فاختفى فيها، وسلّم هو كيسه إلى أمّه، وخرج، وبقيت وحدها في الدار.
وكان لها في دارها، بيت مؤزّر بالساج إلى أكثر حيطانه، عليه باب حديد، تجعل قماشها وكلّ ما تملكه فيه، والكيس، فخبأت الكيس فيه تلك الليلة خلف الباب، وجلست فأفطرت بين يديه.
فقال اللص: هذه الساعة تفطر، وتكسل، وتنام، وأنزل فأفتح الباب، وآخذ الكيس والقماش.
قال: فلما أفطرت، قامت إلى الصلاة، فظن اللص أنّها تصلّي العتمة وتنام.
فانتظرها [ ط]، فمدّت الصلاة، وتطاول عليه الأمر، ومضى نصف الليل.
وتحيّر اللص ممّا نزل به، وخاف أن يدركه الصبح، ولا يظفر بشيء.
فطاف في الدار، فوجد إزارا جديدا، وطلب جمرا فظفر به، ووقع في يده شيء كان لهم فيه دخنة طيبة، فلبس الإزار، وأشعل ذلك البخور، وأقبل ينزل على الدرجة، ويصيح بصوت غليظ وتعمّد أن يجعله جهوريا، لتفزع العجوز.
وكانت معتزلية جلدة، ففطنت لحركته، وأنّه لص، فلم تره أنّها فطنت.
وقالت: من هذا؟ بارتعاد وفزع شديد.
فقال لها: أنا رسول الله رب العالمين، أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق، لأعظه، وأعامله بما يمنعه من ارتكاب المعاصي.
فأظهرت أنّها قد ضعفت، وغشي عليها من الجزع، وأقبلت تقول:
يا جبريل، سألتك بالله، إلّا رفقت به، فإنّه واحدي.
فقال اللصّ: ما أرسلت لقتله.
فقالت: فما تريد؟ وبما أرسلت؟
قال: لآخذ كيسه، وأؤلم قلبه بذلك، فإذا تاب رددته إليه.
فقالت: شأنك، يا جبريل، وما أمرت.
فقال: تنحّي من باب البيت.
فتنحّت: وفتح هو الباب، ودخل ليأخذ الكيس والقماش، واشتغل في تكويره.
فمشت العجوز قليلا قليلا، وجذبت الباب بحميّة، فردّته، وجعلت الحلقة في الرزّة، وجاءت بقفل، فقفلته.
فنظر اللصّ إلى الموت بعينه، ورام حيلة في داخل البيت، من نقب أو منفذ، فلم يجدها.
فقال لها: افتحي الباب لأخرج، فقد اتّعظ ابنك.
فقالت: يا جبريل، أخاف أن أفتح الباب، فتذهب عيني من ملاحظتي لنورك.
فقال: إنّي أطفىء نوري حتى لا تذهب عينك.
فقالت: يا جبريل، إنّك رسول رب العالمين، لا يعوزك أن تخرج من السقف أو تخرق الحائط بريشة من جناحك، وتخرج، فلا تكلّفني أنا التغرير ببصري.
فأحسّ اللص بأنّها جلدة، فأخذ يرفق بها، ويداريها، ويبذل التوبة.
فقالت له: دع ذا عنك، لا سبيل إلى الخروج إلّا بالنهار، وقامت تصلّي، وهو يهذي، ويسألها، وهي لا تجيبه، حتى طلعت الشمس، وجاء ابنها، فعرف خبرها، وحدّثته بالحديث، فمضى وأحضر صاحب الشرطة، وفتح الباب، وقبض على اللصّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع