تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين أبي جعفر بن شيرزاد وأبي عبد الله الموسوي

حدّثنا أبو العباس هبة الله بن المنجّم، قال: سمعت أبا عبد الله الموسوي العلويّ، يقول:

قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في أيّام تدبيره الأمر، قصدا قبيحا، وعمل لي كتّابه مؤامرة في خراجاتي، بمائة ألف درهم،

أكثرها واجب عليّ، وباقيها كالواجب.

وأحضرني للمناظرة عليها، فاعتقلني في داره.

فضقت ذرعا بما نزل بي، وعلمت أنّ المال سيؤخذ منّي إذا نوظرت، وأنّه يؤثّر في حالي، ويهتك جاهي، فلم أدر ما أعمل.

فشاورت بعض من يختصّ به، فقال: طمعه فيك- والله- قويّ، وما ينفعك معه شيء غير المال.

فقلت: فكّر في حيلة أو مخادعة.

ففكّر، ثم قال: لا أعرف لك دواء إلّا شيئا واحدا، إن سمحت به نفسك [ ط]، وتركت العلويّة عنك، وفعلته، نجوت.

فقلت: ما هو؟

قال: هو رجل سمح على الطعام، محبّ لأكله على مائدته، موجب لحرمته، وأرى لك، إذا وضع طعامه، أن تخرج إليه، فإنّك معه في الدار، ولا يمنعك الموكّلون من ذلك، فتجيء بغير إذن، فتجلس على المائدة، وتأكل، وتنبسط، وتخاطبه في أمرك عقيب الأكل، وتسأله، وترفق به، وتخضع له، فإنّه يسامحك بأكثرها، ويقرّب ما بينك وبينه.

فشقّ ذلك عليّ، ثم نظرت، فإذا وزن المال أشقّ منه.

وكان أبو جعفر، لا يأكل إلّا بعد المغرب، في كلّ يوم مرّة، فلم آكل ذلك اليوم شيئا، وراعيت مائدته، فلما وضعت المائدة، قمت.

فقال الموكّل: إلى أين؟

قلت: إلى مائدة الوزير، فما قدر أن يمنعني، وجاء معي.

فلما رآني أبو جعفر، أكبر ذلك، وتهلّل وجهه، وقال: إلى عندي يا سيّدي، إلى عندي، وأجلسني إلى جنبه، وأقبلت آكل، وأنبسط في الأكل والحديث، إلى أن رفعت المائدة، وقام أبو جعفر، وقمنا، وشيلت المائدة، واستدعاني إلى موضعه، فغسلت يدي بحضرته.

فلما فرغت، أردت أن أبتدأه بالخطاب، فقال لي: قد آذيتك يا سيّدي أبا عبد الله بتأخيرك عن منزلك، فامض إلى بيتك، وما أخاطبك بشيء مما في نفسي، ولا فيما أردت مخاطبتك فيه، [ولا مطالبة عليك من جهتي] بعدما تفضلت به.

فشكرته، وقلت: إن رأى سيّدنا أيّده الله، أن يتمّم معروفه عليّ بتسليم المؤامرة إليّ، فعل.

فقال: هاتموها، فما برحت، إلّا وهي معي في خفّي، وانصرفت إلى منزلي، وسقط المال عنّي.

ولزمته للسلام، وصرت أتعمّد مؤاكلته، والتخصّص به، فسلمت عليه طول أيّامه، وسلم جاهي ومالي عليه، إلى أن مضى.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.