تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

من أحاديث الزراقين

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا سليمان بن الحسن، قال: قال لي أبو معشر المنجّم، وقد جرى حديث الزرّاقين:

رأيت أعجب شيء، وهو أنّ رجلا في جواري بسرّ من رأى اعتقل، فأتاني أبوه، وكان لي صديقا [ ط]، فقال: تركب معي إلى صاحب الشرطة، نسأله إطلاقه، فركبت.

فاجتزنا بزرّاق على الطريق. فقلت: هل لك في أن نتلهّى بهذا الزرّاق؟

فقال: افعل.

فقلت له: انظر في نجمنا، وأيّ شيء هو، وفي أيّ شيء هوذا نمضي؟

ففكّر الزرّاق ساعة، ثم قال: تمضون في أمر محبوس.

قال: فانتقع لون أبي معشر، ودهش، وتلجلج لسانه.

فقلت أنا له: فهل يطلق أم لا؟

قال: تمضون وقد أطلق.

فقال لي أبو معشر: انطلق بنا، فهذا اتّفاق طريف، وهوس.

فسرنا وجئنا إلى صاحب الشرطة، فسألناه في أمر الرجل.

فقال: الساعة- والله- وردت عليّ رقعة فلان، يسألني في أمره، فأطلقته.

فنهض أبو معشر مبادرا، وقال: إن لم أعرف من أين أصاب الزرّاق في حكمه، ذهب عقلي، وخرّقت كتبي، واعتقدت بطلان النجوم، ارجع بنا إليه.

قال: فرجعنا، فوجدناه في مكانه من الطريق.

فقال له أبو معشر: قم بنا، فأخذناه، وحمله إلى داره.

وقال له: أتعرفني؟

قال: لا.

قال: أنا أبو معشر المنجّم.

فقبّل الزرّاق يده، وقال: أستاذنا، وقد سمعت باسمك.

قال: دعني من ذلك، لك خمسة دنانير عينا، وأصدقني من أين حكمت لنا بما حكمت به.

قال: أنا والله أصدقك، ولا أجسر آخذ منك شيئا، وأنت أستاذ هذه الصناعة.

اعلم أنّي لا أحسن من النجوم شيئا، وإنّما أنا أزرق وأهذي على النساء، وبين يديّ هذا التخت والإصطرلاب والتقويم للخلق حيلة.

ولكنّي قد صحبت أهل البوادي في وقت من الأوقات، وتعلّمت منهم الزجر والفال والعيافة.

وهم يعتقدون إذا سئلوا عن شيء أن ينظروا إلى أوّل ما تقع عليه عيونهم، فيستخرجون منه معنى يجعلونه طريقا لما يسألون عنه، وما يحكمون به.

فلمّا سألتني في أيّ شيء نمضي؟ تلجلجت، فوقعت عيني على

سقّاء معه ماء محبوس في قربته، فقلت: محبوس.

فقلت: هل يطلق أم لا؟ فنظرت أطلب شيئا أزجره، فرأيت السقّاء قد صبّ الماء، وهو يخرج من قربته، فقلت: إنّكم تمضون وقد أطلق، فهل أصبت؟

فقال له أبو معشر: نعم، وفرّجت عنّي أيضا، أعطوه الدنانير، واصرفوه.

فأبى أن يأخذ، فما تركه أبو معشر حتى أخذها وخرج.

فطرح نفسه كالمستريح من أمر عظيم، ووضع يده على فؤاده، وقال:

فرّج عني.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.