من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
طبيعة الأمير سيف الدولة في إسداء المكارم
حدّثني أبو الفرج الببغاء، قال:
تأخّر عني رسمي من الكسوة، على الأمير سيف الدولة، وكان آثر الأشياء عنده، وأنفقها عليه، وأحبّها إليه، أن يسأل فيعطي، وأن يستزاد فيزيد، وأن يطالب، ويناظر، حتى كان دائما يعزل للإنسان شيئا، يريد هبته له، خلف ظهره، ويقول: أريد أن أعطي فلانا هذا.
فيخرج من يحضر، فيحدّث الرجل، فيحضر، ولا يعطيه.
فيقول له الرجل: إيش وراء مسورة مولانا؟
فيقول: وأي شيء عليك؟ وأيش فضولك؟
فيقول: هذا والله لي عزله مولانا.
فيقول: لا.
فيقول: بلى، ويأخذه، ويجاذبه عليه، فإذا فعل ذلك، أعطاه، وزاده شيئا آخر، يلتذّ بهذا.
قال: فكتبت إليه، أستحثّه على رسمي من الكسوة:
الرضا بالمأمول، أطال الله بقاء سيّدنا الأمير سيف الدولة، دليل على همّة الآمل، ومحلّ المسؤول في نفسه، مترجم عن نفاسة نفس السائل، إذ كان الناس من التخلّق بالكرم، والتفاضل بالهمم، في منازل غير متقاربة،
ومراتب غير متناسبة، وشرف أدبه، في شرف طلبه.
ورجاء سيف الدولة الشرف الذييتقاصر التفصيل عن تفصيله
ضمنت تأميلي نداه فردّهجذلان من سفر الظنون بسوله
وغنيت حين بلغت ورد نوالهعن ورد ممتنع النوال بخيله
فالغيث يغبطني على إنعامهوالدهر يحسدني على تأميله
وعلمي بأنّ أقرب مؤمليه- أيّده الله- إليه، وأوجبهم حرمة عليه، أشدّهم استزادة لنعمه، وأكثرهم تسحّبا على كرمه، بعثني على التقرّب إلى قلبه بالسؤال، ومناجاة كرمه بلسان الآمال. [فسألته متقربا، وطلبته متسحّبا، فإن رأى العادل إلّا في ماله، والمقتصد إلّا في أفضاله، سيّدنا الأمير سيف الدولة أطال الله بقاءه].
أن تعلم الأيام موضع عبدهمن عزّه ومكانه من رائه
بشواهد الخلع التي يغدو بهامتطاولا شرفا على نظرائه
فمن العجائب حبس توقيع لهوموقّع التوقيع من شفعائه
فعل إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع