من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أبو الفرج الببغاء ينشىء نسخة كتاب على لسان الأمير سيف الدولة بشأن الفداء
حدّثني أبو الفرج الببغاء، قال:
لمّا [ ط] أقام سيف الدولة الفداء، بشاطىء الفرات في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، لزمه عليه خمسمائة ألف دينار، في شراء الأسارى، والأموال التي وصلهم بها، ورمّ بها أحوالهم.
وأخرج جميع ذلك من ماله، صبرا واحتسابا، وطلبا للثواب والذكر، من غير أن يعاونه أحد من الملوك عليه، ولا غيرهم.
وكان ذلك خاتم أعماله الحسنة، وأفعاله الشريفة، التي تجاوز الوصف، وتفوت العدّ.
فلما فرغ من ذلك، تقدّم إلى كل من بحضرته، في الوقت، من أهل الكتابة، أن ينشىء كل واحد منهم، نسخة كتاب ليكتب عنه إلى من في البلدان من الجيش والرعية، بخبر تمام الفداء، ووصف الحال فيه.
فكتبت عنه في ذلك:
كتابنا، تولّاكم الله بكفايته، وحرسنا فيكم بناظر رعايته، من معسكرنا بالبقعة المعروفة بالمعقلة من شاطىء الفرات، بعد إمضائنا أمر الفداء الذي اختصّنا الله فيه بشرف ذكره، وانتخبنا للنهوض بمعظم أمره، وولينا
بالمعونة في تحمّل ثقله، ووفّقنا للفوز بإحراز فضله، بعد أن استراحت فيه النيات إلى الغفلة، ومطاوعة الشحّ، ومساكنة الراحة، وتظنّون بالله الظنون.
فالحمد لله حمدا نستديم بالإخلاص فيه مدد عوارفه وأياديه، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
ولما كانت منح الله تعالى لدينا، ونعمه المتظاهرة علينا، أعظم من أن تطاول بثناء، وأجلّ من أن تقابل بجزاء، رأينا الاعتراف بما أحرزناه من سالفها، والإشادة بما قابلناه من مستأنفها، أقدر على استزادتها، وأولى بحراستها.
ولم نزل، ولله المنة، منذ عرفنا ما ندبنا إليه، وتأملنا ما حضّنا عليه، من الخفوف لجهاد الكافرين والتعبّد بقتال المخالفين، بين رأي يتضمّن التوفيق عواقبه، وعزم يصرع الإقبال مغالبه، و [فتح يجمع الإسلام أثره، وبلاء تتداول الأيّام خبره].
ولا ننصرف عن غزو إلّا إلى نفير، ولا نتشاغل بنظر إلّا إلى تدبير، ولا نعتدّ بالمال إلّا ما أنفقناه، ولا نسرّ بذخر إلّا ما أنفدناه، فيما حرس الأمّة، وحصّن الملّة، وبثّ العدل، وجمع الشمل.
إلى أن استعبدنا ملوكهم بالأسر، وجسنا ديارهم بكتائب النصر، وأوحشنا المراتب من أربابها، واستنزلنا عن الحصون أصحابها، وفجعنا ملكهم بصهره وابن أخته قهرا، وأثكلنا أخاه مراغمة وصغرا.
فلما أدلنا الحق من الضلال، وأعاده الله تعالى بنا من العزّ إلى أشرف حال، عدلت السيوف عن دمائهم إلى أغمادها، واستبدلت إصدارها بإيرادها، ونصلت الرماح أسنّتها، وطاوعت الخيل أعنّتها، واستماحتنا الأعداء إلى الموادعة، ورغبت إلينا بالتضرع في المسألة.
واستفتحوا ذلك بطلب الفداء الذي لا يسعنا الامتناع منه، ولا نجد تأوّلا في الإضراب عنه.
فرأينا بعد الإثخان في الأرض، فكّ من في أيديهم من الموحّدين، ومن في رقّهم من المسلمين [ ط]، أفضل كاسب لعاجل الشكر، وأوفى ضامن لآجل الأجر.
فأنفذنا إلى سائر الأقطار، وبثثنا الأصحاب في جميع الأمصار، لإحصاء السبي وانتزاعه، والتوفّر على جمعه وابتياعه، من خالص ملكنا، وخاصّ مالنا، من غير مسامحة لأحد من أهل زماننا في معاونتنا، بغير الثياب التي شركناهم بها في نيل الحمد وكسب المثوبة.
وأضفناهم إلى من ملكناه بحكم الرماح، وأحرزناه بقهر الخيل والصفاح، من أكابر البطارقة، وأنجاب الزراورة، ووجوه الأعلاج، وأنجاد الأنجاس.
ولم يزل من سلف قبلنا من الملوك، وتقدّمنا من السلاطين، في عقد الهدن، وإقامة الأفدية، يرغب إلى سائر نظرائه، وذوي السعة من أتباعه، والمكنة من رعيته، في معاونته بالأحوال، ومعاضدته ببذل الأموال.
وأبى الله لنا إلّا التفرّد بأجر ذلك وشكره، وحميد أثره، وجميل ذكره.
وندبنا أكابر الغلمان، وثقاة الخدم، لتسييرهم بأعمّ رأفة وأتمّ رفق، حسب ما أمرنا به من ترفيه السبي، ومراعاة الأسرى، إلى أن عبرنا بجميعهم من الفرات، بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه، ورغب إلينا في النزول عليه، تأنّسا بمجاورة الدروب المستصعبة، وحذرا من مفارقة الجبال المستعصمة.
فلما اقتضى قربنا سرعة المسير، وتنجّزه دنوّنا لإمضاء الأمر بعد التقرير.
أقدم مرتابا بإقدامه، وسار متّهما عواقب رأيه واعتزامه، بجموع يفرّق الجزع آراءها، وقلوب يشتت الخوف أهواءها، وأفكار مكدودة بالوجل، ومنن مستعبدة لأوامر الفشل، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدوّ فاحذرهم، إلى أن حلّ بفنائنا ملقيا مقاليد أمره إلى الاستسلام، وآخذا من وفائنا بأوكد ذمام.
وافتتحنا الفداء يوم السبت غرّة رجب الذي هو غرّة الأشهر الحرم، وقد عرّف الله تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال، وزكيّ الأفعال، وتعجّل البركات، وتناصر الخيرات، فاستمرّ بأكمل هدي، وأنجح سعي، وأبسط قدرة، وأعمّ نصرة، وأعزّ سلطان، وأوضح برهان، وكلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والله عزيز حكيم.
ولم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم نظام، وأحسن التئام، إلى أن استنقذ الله بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه، والإياس من الخلاص أن يرديه، وهم على أفضل ما عهدناهم عليه من حسن اليقين، والتمسّك بعصم الدين.
وسار عنّا من فاديناه من البطارقة المذكورين، والزراورة المشهورين، بأجسام ضاعنة، وقلوب قاطنة، تتلفّت إلى ما خلّفته من غامر تفضّلنا، وألفته من ألطاف تطوّلنا.
فهم بعد الفداء موثقون في أسر الإحسان، ومع الخلاص مقرونون برقّ التطوّل والامتنان.
ولما أحضرونا من أسروه من الأعمال [النازحة، والبلدان الشاسعة، ولم نستخر ادّخار الأموال] عن خلاصهم [ ط] ولا الشحّ بها عن تعجيل فكاكهم، فابتعناهم من الأثمان بأعظمها، ومن الأموال بأجسمها، ولم نطع في ادّخار الذهب والفضة، المقرون بمخاوف الوعيد، وفظيع التهديد، أمر الشكّ في ربح الصفقة بمتاجرة الله تعالى، جلّ اسمه واثقين بعاجل الخلف، وآجل الجزاء، وذلك الفوز العظيم.
وتداركنا من عمارة أحوالهم، ما كان مختلا بمعاناة الفقر، ومتهافتا بتطاول الأسر، وانقلبنا قافلين بأسعد منقلب، وأربح مكتسب، وأتم إقبال، وأجمل حال، بعد أن أجفل العدوّ خذله الله، مستطيلا مدّة إقامته، وشاكّا في إحراز سلامته، متوهّما أن الخيول تطلبه، والرماح تتعقّبه، لا يعرّج على ضعفاء ساقته، ولا يلوي على أخصّ من في جملته.
وتقدّمنا بمكاتبة أوليائنا، وكافّة رعيّتنا، بذكر ما هيأه الله ﷿ لنا من تظاهر النعم، وتواتر القسم، وليشهروا ذلك على منابر الصلوات، ويعلنوه بالرسائل والمكاتبات، إذ كان ما يتوجّه بالله سبحانه من تتابع [النعم و] المنح، وتواصل العوارف، عائدا على الملّة، ومساويا بالنفع به الأمّة.
فالحمد لله الذي اختصّنا من اختياره، وأفردنا بإيثاره، بما رآنا له أهلا لخلافة نبيّه ﷺ في حراسة أمّته، وإعزاز كلمته.
وإليه نرغب في توفيقنا للاعتراف بعوارفه، لما تكون به النعم محروسة والموهبة محفوظة، لا ينتقصها كفران، ولا يرتجعها عدوان، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع