تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

يا قديم الإحسان

حدّثني أبو الحسن أيضا، قال:

كان في باب الشام رجل يقال له: لبيب العابد، زاهد، ناسك، صالح، فأخبرني، قال:

كنت مملوكا روميّا، فمات مولاي، فعتقني، فحصّلت لنفسي رزقا برسم الرجّالة، وتزوّجت بستّي، زوجة مولاي، وقد علم الله، أنّي لم أتزوجها إلّا لصيانتها، لا لغير ذلك، فأقمت معها مدّة.

ثم إنّي رأيت يوما حيّة وهي داخلة إلى جحرها، [فأخذتها، فمسكتها بيدي]، فانثنت عليّ، فنهشت يدي، فشلّت، ثم شلّت الأخرى بعد مدّة، ثم زمنت رجلاي، واحدة بعد أخرى، ثم عميت، ثم خرست.

فمكثت على هذه الحال سنة، لم تبق فيّ جارحة صحيحة، إلّا سمعي، أسمع به ما أكره.

وكنت طريحا على ظهري، لا أقدر على إشارة، ولا إيماء، فأسقى

وأنا ريّان، وأترك وأنا عطشان، وأطعم وأنا ممتلىء، وأفقد الطعام وأنا جائع، لا أدفع عن نفسي، ولا أقدر على إيماء بما يفهم مرادي منه.

فدخلت امرأة بعد سنة إلى زوجتي، فسألتها عنّي، فقالت: كيف لبيب؟

فقالت لها، وأنا أسمع: لا حيّ فيرجى، ولا ميت فينسى.

فغمّني ذلك، وبكيت، وضججت إلى الله تعالى في سرّي.

وكنت في جميع ذلك الحال، لا أجد ألما في شيء من جسمي، فلمّا كان في ذلك اليوم، ضرب بدني كلّه ضربا شديدا لا أحسن أن أصفه، وألمت ألما مفرطا.

فلمّا كان في الليل، سكن الألم، فنمت، وانتبهت، ويدي على صدري، فعجبت من ذلك وكيف صارت يدي على صدري، ولم أزل مفكّرا في ذلك، ثم قلت لعل الله قد وهب عافيتي، فحركتها، فإذا هي قد تحركت، ففرحت، وطمعت في العافية.

وقلت: لعلّ الله أذن بخلاصي، فقبضت إحدى رجليّ إليّ، فانقبضت، وبسطتها، فانبسطت، وفعلت بالأخرى كذلك، فتحركت، فقمت قائما، لا قلبة بي، ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه، فخرجت إلى الدار، ورفعت طرفي، فرأيت الكواكب، وإذا أنا قد أبصرت، ثم انطلق لساني، فقلت: يا قديم الإحسان، بإحسانك القديم.

ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو عليّ.

فقلت: الساعة صرت أبو عليّ.

فأسرجت، وطلبت مقراضا، وكان لي سبال كما يكون للجند،

فقصصته، فضجّت من ذلك، وقالت: ما [ ط] هذا؟

فقلت: بعد هذا لا أخدم غير ربّي، فصار هذا سبب عبادتي.

قال: وخبره مستفيض، ومنزلته في العبادة مشهورة، وصارت هذه الكلمة عادته، لا يقول في حشو كلامه، وأكثر أوقاته غيرها: يا قديم الإحسان.

قال: وكان يقال: إنّه مجاب الدعوة، وكان الناس يقولون إنّه رأى النبي ﷺ، فمسح يده عليه، فسألته عن ذلك، فحدّثني بهذا الحديث، وقال: ما كان سبب عافيتي غيره.

قال: وقال لي: كان لي قراح على شاطىء دجلة، بالمدائن، وكان فيه تلال وأشياء ينبغي أن تستخرج، ويطمّ بها مواضع فيه، فتحتاج إلى رجال كثيرة.

فكنت ليلة فيه، وكانت قمراء، [فاجتاز بي خلق كثير من الفعلة، قد انصرفوا من عمل بثق، فرأوني] فعرفوني.

فقلت لهم: هل لكم أن تكسحوا هذا القراح الليلة، وتسوّوا تلوله بالأرض، وتأخذوا مني كذا وكذا.

فقالوا: نعم، أتحفنا بالأجرة، فعملوا ذلك، فأصبحنا وقد صار أرضا مستوية.

فقالت العامة: الملائكة أصلحوه، وكذبوا، ما كان غير هذا.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.