من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بين أبي بكر الأزرق التنوخي وأسد بن جهور
قال:
وأخرجني ابن الفرات في سنة تسع وتسعين، أنظر في أمر إصلاح الطريق ونفقات الموسم، وسبّب لذلك مالا على الكوفة، وأسد بن جهور عاملها.
فلما جئتها، وكان لي صديقا، تأخّر عن قصدي، فتأخّرت عنه أيضا، فولّد بيننا ذلك وحشة، فاستقصيت عليه في المطالبة بالمال، وتقاعد بي، فصارت مكاشفة.
فكتبت إلى الوزير أحرّضه عليه، وكتب يتشكّاني، فوردت [ ط] الكتب إلى شاكر الإسحاقي، وهو أمير الكوفة، أن يجمع بيننا في المسجد، ولا يبرح، ولا ينفصل، أو يرضيني بالمال.
فركبت، وجئت إلى باب الإسحاقي، ولم أدخل، وعرّفته ما ورد، وانّني متوجه إلى الجامع.
فركب ولحقني، وقال: ورد عليّ مثل هذا.
فقلت: تحضر أسد، فركب إليه، فأحضره.
فحين اجتمعنا تخارجنا في الكلام، إلى أن قلت له: أتظنّ أنّي لا أعرف أباك، وأنّه كان راجلا على باب ديوان الضياع، برزق دينارين في الشهر.
قال: وكان اجتماعنا في أوّل يوم من شهر رمضان، فلم ينته الكلام إلى فصل، وجاءت المغرب، فقام شاكر ليركب، وأسد معه، فجلست أنا.
فقالا: لم تجلس؟
فقلت: أنا لا أخالف أمر الوزير، ولا أبرح إلّا بفصل، أو بالمال.
فقال شاكر لأسد: اجلس معه ولا تبرح.
وقال لي: لولا أنّ قعودي معكما لا فائدة فيه، ويضرّني، لقعدت، واعتذر إليّ، فعذرته، وانصرف.
وقمت أنا إلى موضع من الجامع، يقال له قبّة خالد، فجلست عنده أصلّي، وجلس أسد مكانه، وأنفذ إلى داره يستدعي الإفطار، وأنفذت إلى داري، فجاء طعامه وطعامي معا.
فقام إليّ، وسألني أن أجعل إفطاري معه، [وفرغ الجامع إلا من أصحابنا]، وبسطت سفرته، وأصلحت مائدته.
وأقبل أسد يسألني المجيء إليه، وأنا أمتنع، إلى أن حلف، وكنت أعرف بخله.
فقلت لغلماني: أخرجوا طعامنا فصدّقوا به، على من حوالي الجامع، ففعلوا.
وجئت، فأكلت معه منبسطا، أكل صائم، ولونه يتغيّر، ولا يقدر على النطق، فتقطّعت نفسه.
ولم نزل متلازمين في الجامع، خمسة عشر يوما من رمضان إلى أن راج المال، وأنا أواكله هكذا.
فلما افترقنا، انعلّ بعد العيد بأيّام، علّة مات منها.
فقلت: إنّا لله، ليت لا يكون ما عملته معه سببا لموته غمّا.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع