من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البر والإحسان
تجارينا ذكر شدّة زماننا، وفقر الناس فيه، وضيق أحوالهم، واستحبابهم البخل، حتى إنّ بعضهم يسميّه احتياطا، وبعضهم إصلاحا، وتوصية الناس بعضهم بعضا به، وتحذّر التجّار من معاملات الناس، ومسك الناس أيديهم عن الإحسان إلى أحد، أو برّه، أو إغاثة ملهوف، أو التنفيس عن مكروب، وإنّ ذلك في الأكثر لضيق أحوالهم.
فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف: لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم، فيجبى له من أصحابنا الألف الدرهم، والأقلّ، والأكثر، في يوم، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك، مع قلّة عدد أصحابنا إذ ذاك.
ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلّم، لجودة قريحته، وكان يحتاج إلى مائة درهم في كل شهر، فكلّمت إبراهيم بن [ ط] خفيف الكاتب، صاحب ديوان النفقات، وكان من أصحابنا، ورجلا آخر من أصحابنا، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر، كلّ واحد منهما خمسين درهما، وكان الرجل يأخذها، إلى أن خرج من بغداد، سنين.
ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي [رضي
الله عنه] من الفقهاء: يحتاج أهل المجلس إلى أكسية، فقد قرص الهواء.
فقمت أفكر فيمن أخاطبه في ذلك، فاجتزت في طريقي بدار، فقال لي بعض من كان معي: هذه دار تاجر موسر من أهل الخير، فلو خاطبته، ولم أكن أعرفه، فدخلت إليه، فعرفني ولم أعرفه، فقام، وأكرم.
وقال لي: حاجتك؟ فذكرت له حال الأكسية.
فقال: كم تريدون؟
فقلت: خمسين كساء، فحملها معي في الحال، ففرّقها فيهم.
ولقد جاءني منذ أيّام رجل من أهل البيوتات فشكا من خلّته ما أبكاني، وذكر أنّ صلاح أمره في نيف وثلاثين درهما، فما طمعت له فيها من أحد، ولا عرفت من أعلم أنّني إن خاطبته فيها أجاب.
وورد لنا في هذه السنة صاحب لأبي هاشم، فخاطبنا له جماعة، واجتهدنا في تحصيل شيء له، نغيّر به حاله، فما حصل له من ذلك قليل ولا كثير.
ولقد كان في الدرب الذي أنزله هذا، وهو درب مهرويه، خلق من أمراء، وكتّاب، [وتنّاء]، وتجّار، حسبت ما كانوا يملكون، فكان أربعة آلاف ألف دينار، وما في هذا الدرب اليوم من يحتوي ملكه على أربعة آلاف درهم، غير أبي العريان، أخي عمران بن شاهين.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع