تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

حديث العلوية الزمنة

حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال:

كانت في شارع دار الرقيق، صبيّة علويّة، زمنت نحو خمس عشرة سنة، وكان أبي يتفقّدها.

وكانت مسجّاة لا يمكنها أن تنقلب من جنب إلى جنب، أو يقلبها غيرها، ولا تقعد، أو تقعد، وكان لها من يخدمها في ذلك، وفي الإنجاء والأكل.

وكانت فقيرة، وإنما قوتها مما يبرّها الناس، فلما مات أبي اختلّ أمرها، فبلغ تجنّي، جارية أبي محمد المهلّبيّ أمرها، فكانت تقيم بأكثر أمرها.

وإنّها أصبحت في يوم من الأيام، وقد باتت في ليلته زمنة على تلك الصورة، فأصبحت من غد، وقد مشت، وبرئت، وقامت، وقعدت.

وكنا مجاورين لها، وكنت أرى الناس ينتابون بابها، كالموسم، فأنفذت امرأة من داري، صدوقة، ممّن شاهدتها زمنة على طول السنين، فسألتها عن الخبر.

فقالت: إنّي ضجرت من نفسي، فدعوت الله تعالى طويلا بالفرج أو الموت، وبت وأنا على غاية الألم والصياح والقلق، وضجرت المرأة التي

كانت تخدمني [ ط]، فلما استثقلت في النوم، رأيت كأنّ رجلا قد دخل عليّ، فارتعت منه.

فقال: لا تراعي، فأنا أبوك، فظننته عليّ بن أبي طالب، ﵇.

فقلت: يا أمير المؤمنين، ما ترى ما أنا فيه؟ لو دعوت الله تعالى أن يهب لي العافية.

فقال لي الرجل: أنا أبوك محمد رسول الله.

فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي.

قالت: فحرّك شفتيه، ثم قال لي: [هاتي يديك، فأعطيته يديّ، فأخذهما، وأجلسني.

ثم قال لي]: قومي على اسم الله.

فقلت: يا رسول الله، كيف أقوم؟

فقال: هاتي يديك، فأخذهما، فأقامني.

ثم قال: امشي على اسم الله.

فقلت: كيف أمشي؟

فقال: هاتي يديك، فمشّاني، ثم جلست، ففعل بي ذلك، ثلاث مرات.

ثم قال لي: قد وهب الله لك العافية، فاحمديه، وتركني، ومضى.

فانتبهت، وأنا لا أشكّ أنّي أراه، لسرعة انتباهي.

فصحت، فظنّت خادمتي أنّي أريد البول، أو شيئا مما يثقل عليها، فتثاقلت.

فقلت لها: ويحك ائتيني، فقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه، في النوم، فانتبهت، وأنا مسجّاة.

فاستشرحتني.

فقلت لها: إنّي رأيت رسول الله، صلى الله عليه، فدعا لي في النوم، وقال: قد وهب الله لك العافية.

فقالت لي العجوز: ويحك، فإنّي أرجو أن تكوني قد برئت من العلّة، هاتي يديك، فأقامتني، والله، كما أقامني النبيّ صلى الله عليه، في النوم، ولم أكن عرّفتها ذلك.

فأعطيتها يدي، فأجلستني، وقالت لي: قومي، فقمت، فتعبت، ثم جلست، ففعلت بي ذلك ثلاث مرّات.

ثم قمت، فمشيت [وحدي.

فصاحت الخادمة سرورا بالحال، وإعظاما لها، فقدّر الجيران أنّي قد متّ، فجاءوا]، فقمت فمشيت بحضرتهم متوكئة، فكثروا عليّ في الليل، وفي غد، حتى كدت أتلف، وما زالت قوّتي ترجع إليّ، إلى أن مشيت كما أمشي الآن، ولا قلبة بي.

قال: وقد رأيتها بعد ذلك، أنا، تمشي وتجيء إلى عيالنا ماشية، وهي الآن باقية صحيحة، وهي أصلح وأورع وأزهد امرأة سمعت بخبرها في هذا الزمان، لا تعرف غير الصلاة والصيام، وطلب الرزق على أجمل الوجوه، عاتق إلى الآن، ديّنة جدا.

ولا تحرف إلى الآن في المشاهد، وعند أهلها، إلا بالعلويّة الزمنة.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.