من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بحث في شكوى الزمان وفساد الإخوان
جرى بيني وبين أبي الحسن [أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين]، الكاتب الأهوازي، وهذا الرجل من معقلي الناس وفضلائهم، عقلا، ونبلا، وبراعة في صناعته، وتقدّما، وقد ولي كبار الأعمال للسلطان، وخلف أبا عبد الله البريديّ على الأهواز، وتولّاها لمعزّ الدولة مكان أبي عبد الله البريديّ، عقيب هربه من معزّ الدولة، ثم استخلفه بعد ذلك، أبو القاسم البريديّ على البصرة، ثم خلف أبا عليّ الطبريّ، وأبا محمد المهلّبيّ
[وكان إذ ذاك على كور الأهواز، ثم تقلّد عمالة البصرة لسباشي الحاجب الخوارزميّ التركيّ، ثم لمعزّ الدولة، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد المهلّبيّ]، وحلب الدهر أشطره، وجرّب الأمور، وسبر الزمان، ذكر الزمان وتصرّفه، وفساد الإخوان فيه، وقلّة المودّات، وما بلغني عن أبي الحسن ابن الفرات، أنّه قال: جزى الله عنّا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا، وأنّه قال: أحصيت ما أنا فيه من المكاره، فما وجدت منه شيئا لحقني، إلا ممّن أحسنت إليه.
فقال لي أبو الحسن: هذا صحيح، ولكن حدث عند فساد الزمان، وإلّا فالأكثر من عدد الناس، كان قديما، على تصرّف زمانهم، ما يعتقدونه من مودّات إخوانهم، فلمّا فسدت الطباع، وتسمّح الناس في شروط مودّاتهم، صار الإنسان ساكنا ممّن لا يعرفه، لا يلحق به شره، ولا يناله ضرّه، وإنّما يلحق الآن الضرر من المعارف، ومن يقع عليه اسم الإخوان، وذلك إنّهم يطالبون في المودّة بما لا يفعلون مثله، فإن أسدى إليهم إحسانا [عرف طبعه فهي العداوة القليلة]، وإن حفظ الإنسان ما يضيّعونه أبدا حصل تحت الرقّ، وإن قارضهم الإفعال ثارت العداوة، وتواترت عليه المكاره، هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنّه صديقا بالشرّ والتجنّي، والمعاملة [ ط] القبيحة بالتوهّم والتظنّي، من غير تثبّت ولا استصلاح،
فأمّا إذا كان ليس بينكما أكثر من المعرفة فالضرر معها بالثقة، لأن كل مكروه يلحقك، إذا حصّلته، كان ممن يعرفك ويقصدك به على علم بك، فأمّا الضرر ممن لا تعرفه، فبعيد جدا، مثل لصوص يقطعون عليك الطريق، غرضهم أخذ المال منك، أو من غيرك، وما يجري هذا المجرى، وعلى أنّ أشد الضرر من اللصوص، ما وقع عن تعيين، وعلى معرفة بالإنسان.
فمهما أمكن للعاقل أن يقلّ من المعارف، واجتلاب من يسمى أخا في هذا الزمان، فليفعل، وليعلم أنّه قد أقلّ من الأعداء، وكلما استكثر منهم، فقد استكثر من الأعداء.
وكأنّ ابن الرومي جمع هذا [المعنى]، فقال:
عدوّك من صديقك مستفادفلا تستكثرنّ من الصحاب
فإنّ الداء أقتل ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع