من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عناية رسول الله صلوات الله عليه بأبي حسان الزيادي
حدّثني أبي، ﵁، بإسناد ذكره:
أنّ أبا حسان الزياديّ، كان من وجوه فقهاء أصحابنا، ومن غلمان أبي يوسف، وكان من أصحاب الحديث.
وكان تقلّد القضاء قديما، ثم تعطّل، فأضاق، فلزم مسجدا حيال داره، يفتي، ويدرّس الفقه، ويؤمّ، ويحدّث، وإضاقته كل يوم تزداد، وهو يطلب التصرّف، أو الرزق، ولا يظفر به، وقد نفد ما عنده، وباع كلّ ما يملكه، وركبه دين عظيم.
إذ جاءه يوما رجل خراسانيّ، وقد حضر وقت خروج الناس من بغداد إلى مكّة.
فقال له: إنّي أريد الخروج إلى الحجّ، وهذه عشرة آلاف درهم معي، تقبلها وديعة لي، فإن رجعت من الحجّ رددتها عليّ، وإن رجع الناس ولم
أرجع، فاعلم أنّي هلكت، وهي لك هبة حلالا.
قال أبو حسان: فأخذتها إلى منزلي، وقصصت على زوجتي الخبر.
فقالت: نحن في ضرّ شديد، فلو تصرفّت فيها من الآن، وقضيت دينك، واتّسعت، فلعل الله يجعلها لك، فتكون قد تعجّلت العيش.
فقلت: لا أفعل.
فما زالت في يومي وليلتي، تحملني على ذلك، حتى أجبتها إليه من غد، ففضضت الختم عن الكيس، وقضيت منه ديني، وتأثّثت، وتوسّعت في منزلي، واشتريت ثيابا لي، ولها، ولبناتي، وأصلحت جميع [ ط] أمري بنحو خمسة آلاف درهم من ذلك.
ومضى على هذا الحديث ثلاثة أيّام، أو أربعة، فانفتلت يوما عن الصلاة، فإذا بالخراسانيّ ورائي.
فلما رأيته قامت قيامتي، وقلت: ما لك؟
فقال: قد انصرفت عن السفر إلى مكّة، وأريد المقام ببغداد، فتردّ إليّ تلك الوديعة.
فقلت له: لست أتمكّن من ذلك الساعة، فتجيئني غدا غدوة.
فنهض، ونهضت إلى منزلي، وما بي طاقة للمشي، فيما بين المسجد وبيتي.
فدخلت، وسقطت مغشيا عليّ، واجتمع أهلي.
فلما أفقت، قالوا: ما دهاك؟
قلت: أنتم حملتموني على التصرّف في مال الخراسانيّ، وقد جاءني
الساعة يطلبه، فكيف أعمل؟ الآن أفتضح، ويذهب جاهي، وأهلك بين الناس، وأحبس، فأموت ضرّا وغمّا.
فبكوا، وبكيت.
وجاءت المغرب، فلم أقدر على الخروج إلى المسجد، وكذلك العشاء، ثم قمت، فصليت في البيت.
فقلت: هذا أمر لا يكشفه إلّا الله، وليس لي إلّا التضرع إليه، فجدّدت طهورا، وصففت قدميّ في المحراب، أصلّي، وأبكي، وأدعو حتى ختمت القرآن، وقد كاد أن يطلع الفجر، وما اكتحلت غمضا.
فقلت لأهلي: الساعة يجيء الرجل إلى المسجد، فكيف أعمل؟
فقالوا: لا ندري.
فقلت: أسرجوا لي، وكانت لي بغلة أركبها.
وقلت لهم: أنا، هوذا، أركب، لا أدري إلى أين أمضي، ولست أرجع إليكم وإن تلفت، ولا وجه لي يقوى على كلام الخراسانيّ، فإن طالبكم وخرج بكم إلى مكروه، فسلّموا إليه بقيّة المال، وأصدقوه الحديث، وإن أمكنكم مدافعته، فدعوني مستورا، فلعلّي أرجع بفرج، أو رأي في أمره.
وركبت، لا أدري أين أقصد، وليس معي ضياء، ولا غلام، وتركت عنان البغلة على عرفها.
وجاءت إلى الجسر، وعبرته إلى الجانب الشرقيّ، وأنا عليها، وصارت
بي إلى باب الطاق، وعطفت بي في الشارع الكبير، المنفذ إلى دار الحليفة.
فلمّا توسطته، إذا بموكب عظيم، وضياء، وقوم يجيئون من ناحية دار الخليفة.
فقلت: أتنكّب الطريق، حتى لا يزحموني بدوابّهم.
فجذبت العنان لأدخل دربا، فإذا بهم يصيحون بي، فوقفت.
فقالوا: من أنت؟ ومن تكون؟
قلت رجل من الفقهاء، فمسكوني، فجاذبتهم، وجاء رئيسهم.
فقال: من أنت رحمك الله؟ لا بأس عليك إن صدقت.
قلت: رجل من الفقهاء والقضاة.
قال: بمن تعرف؟
قلت: بأبي حسان الزياديّ.
فصاح: الله أكبر، الله أكبر، أجب أمير المؤمنين، فسرت معه، حتى أدخلت على المأمون.
فقال لي: من أنت؟
قلت: رجل من الفقهاء والقضاة، أعرف بالزياديّ، ولست منهم، إنّما سكنت في محلة لهم، فنسبت إليهم.
فقال: بأي شيء تكنى؟
قلت: بأبي حسّان.
قال: ويحك ما دهاك؟ وما قصّتك؟ فإن [ ط] رسول الله، صلى الله عليه، ما تركني البارحة أنام بسببك، أتاني دفعة في أول الليل، وفي
وسطه، وهو يقول: أغث أبا حسان الزياديّ، فأنتبه، ولا أعرفك، وأنسيت السؤال عنك، فلما كان الساعة، أتاني، فقال: أغث أبا حسان الزياديّ، فما تجاسرت على النوم، وأنا ساهر من ذلك الوقت، وقد بثثت الناس في جانبي البلد، أطلبك، فما قصّتك؟
قال: فصدقته عن الخبر، حتى لم أكتمه منه حرفا.
وقلت: أنا رجل كنت أتقلّد للرشيد من أبي يوسف القضاء بناحية، فلما مات، صرفت، وانقطعت أرزاقي، ولزمتني العطلة والإضاقة، فكان من خبري مع رجل خراسانيّ كيت وكيت.
فبكيت، وبكى وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هاتوا خمسة آلاف درهم، فجاءوا بها.
فقال: خذ هذه فارددها مكان ما تصرّفت به.
ثم قال: هاتم عشرة آلاف درهم، فجاءوا بها، [فقال: خذ هذه فأصلح بها أمرك. وتوسّع بها في نفسك.
ثم قال: هاتم ثلاثين ألفا، فجاءوا بها]، فقال: خذ هذه، فأصلح بها أمر بناتك، وزوّجهن، وإذا كان يوم الموكب، فصر إلينا بسواد لنقلّدك عملا، ونرزقك رزقا.
فحمدت الله، وشكرته، وصليت على رسول الله ﷺ، ودعوت لأمير المؤمنين، وانصرفت والمال معي، وصرت إلى منزلي، وما طلعت الشمس، وأهل المسجد يتوقّعون خروجي للصلاة، وقد أنكروا تأخّري عنهم، فنزلت، فصلّيت بهم، وسلّمت، وإذا بالخراسانيّ، فأدخلته منزلي، وأخرجت إليه بقيّة ماله، فرأى ختمه غير صحيح.
وقلت: خذ هذا، فهو بقيّة مالك، فقد صرفته، وأومأت إلى المال الذي كان معي، وقلت خذ تمام مالك.
فقال: ما قصتك؟
فأخبرته الخبر، فبكى، وحلف لا يأخذ شيئا.
وحلفت عليه، فقال: والله، لا أخذته، ولا أدخلت في مالي شيئا من مال هؤلاء.
وبدأت بالنظر في أمر بناتي، وتزويجهنّ، وتجهيزهنّ، وتقدمت بابتياع سواد، ودابّة، وغلام.
وصرت إلى المأمون، يوم الموكب، فأدخلت، فسلّمت، فأوقفت مع القضاة، وأخرج إليّ عهدا من تحت مصلاه، وسلّمه إليّ.
وقال: قد قلّدتك القضاء [بالمدينة الشرقية من] الجانب الغربي، وهذا عهدي إليك عليها، فاتّق الله، وقد أجريت لك كذا وكذا، في كلّ شهر، رزقا.
فما زال أبو حسّان يتقلّدها في أيام المأمون.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع