من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
المعتضد يهدم سور أنطاكية
حدّثني أبي، قال:
لما خرج المعتضد إلى قتال [ ط] وصيف الخادم، إلى طرسوس، وأخذه، عاد إلى أنطاكية، فنزل خارجها، وطاف بالبلد بجيشه، وكنت صبيّا إذ ذاك في المكتب.
قال: فخرجت في جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر بلا سواد، وسمعت رجلا يقول: الخليفة بقباء أصفر بلا سواد؟
قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره ببغداد، فجاءه الخبر بعصيان وصيف، فخرج في الحال من داره إلى باب الشماسية، فعسكر، وحلف أن لا يغيّر هذا القباء، أو يفرغ من أمر وصيف، فأقام بباب الشماسيّة، أياما، حتى لحقه الجيش، ثم خرج، فهو عليه إلى الآن ما غيّره.
قال: فحدّث أبي بعد ذلك: وأنفذ المعتضد إلى سور أنطاكية بفعلة يهدمونه، فماج الناس، ولجّت العامّة، وتشاور شيوخ المدينة في هذا،
فأجمع رأيهم أن كفّوا العامّة، ومضوا إلى مضرب الخليفة، وسألوا الوصول.
فأنفذ إليهم أن اختاروا عشرة منكم، يدخلون إليّ، ويخاطبونني.
فاختاروا عشرة كنت منهم.
فحدّثني قال: دخلنا عليه، فسلّمنا، ووقفنا، فأمر بإجلاسنا، فجلسنا.
فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن في وجه عدو كلب، وجهاد متصل [ونفير دائم]، والعدوّ يطرقنا ونطرقه، فإن هدمت هذا السور، كان ذلك أقوى عدّة للعدوّ علينا، وكان البلد له عند أيسر ضعف يلحقنا، وحادثة تطرقنا، فإن رأيت أن ترحم ضعفنا، وتستر ذرارينا، بهذا السور.
فقال: قد كثرت الحوادث علينا في هذه الثغور، واعتصام كل مخالف، بحصن منها، وقد علمتم ما لحقنا بالأمس من ابن الشيخ، واليوم من هذا الخادم، وقد سبق منّي القول، أن لا أدع حصنا إلّا هدمته، وأنا أهدم هذا السور، وأحصّنكم من العدو، بإضعاف عدد الشحنة، وإدرار الأرزاق، وإطلاق مال للمطوّعة، يقوون به على جهاد العدو، فتكون قوّتهم مانعة للعدو، وكأنّ السور لم يزل، ولا يطمع أحد في التحصّن به على العصيان.
قال: فلم يكن عند أصحابي حجّة، وضعف كلامهم، ورأيت المجلس كالمنفضّ على هذا.
فقمت، واستأذنت في الكلام، فأذن لي.
فقلت: [يا أمير المؤمنين، على أن أقول ما عندي، وأنا آمن؟
قال: نعم.
قلت]: يا أمير المؤمنين، إنّ الله لو خلّد أحدا في الأرض، لخلّد محمدا صلى الله عليه، وإنّ هذه الحصون والأسوار لم توضع لسنة بعينها، ولا لأيّام خليفة بعينه، وإنّما جعلت لتبقى على الدهور، وتدفع عن أهلها في أيّام كل ملك، سائسا كان أو متوانيا.
ولو كنّا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا، ما سألناه خلاف ما يراه، ولو كنّا نثق أنّ من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم، باهتمامه بمصالحهم، [ ط] وسياسته لخاصّتهم وعامتّهم، مثله، لسهّل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي لا عوض عنه، ولو كان من يتقلّد بعده، مثله، لما كان لنا في ذلك عزاء عن السور، فإنّا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا، أن تشغله حادثة عنّا، تمنعه من مصالحنا، فنكون نحن دريّة لسيوف الروم، ورماحهم.
وإنّك يا أمير المؤمنين إن هدمت هذا السور، بقي بلدنا ما دمت حيا، ثم خرج عن أيدي المسلمين بعدك، وقتلتنا الروم، وسبت ذرارينا، وصليت بإثمنا في القيامة، وعارنا في الدنيا، فالله، الله، فينا، فقد صدقتك يا أمير المؤمنين، والأمر إليك بعد ذلك.
قال: فنكّس المعتضد رأسه ساعة، ثم رفعه، وقد بكى.
وقال: فكيف أعمل، وقد سبق قولي بأنّي أهدمه؟
فقلت له: تعمل الفعلة في هذا اليوم فقط، فيكون في ذلك إبرار
لقول أمير المؤمنين، ثم إذا رحل هو عنّا، أذن لنا في إعادة ما هدم اليوم فقط.
فقال: أنفذوا غدا من يردّ الفعلة، ويمنعهم من هدم السور بعد اليوم، وقد أذنت لكم في إعادة ما انهدم.
فشكرناه، ودعونا له، وارتفعت الصيحة بالدعاء له.
وعدنا، فوجدنا الفعلة، قد هدموا ذلك اليوم قطعة منه، فأعدناها بعد خروج المعتضد، من أموالنا.
فهي معروفة إلى الآن في السور، لتغيّر بنائها عن البناء الأول.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع