تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين الوزير علي بن عيسى والعطار الكرخي

حدّثني جماعة من أهل الحضرة:

أنّ رجلا عطارا من أهل الكرخ، كان مشهورا بالستر، ارتكبه دين، فقام من دكانه [ولزم منزله وأقبل على الدعاء والصلاة ليالي كثيرة.

فلما كان] ليلة جمعة، وصلّى صلاته، ودعا ونام.

قال: فرأيت النبي صلى الله عليه في منامي، وهو يقول لي: اقصد عليّ ابن عيسى الوزير، فقد أمرته لك بأربعمائة دينار، فخذها، وأصلح بها أمرك.

قال: وكان عليّ قيمة ستمائة دينار.

فلمّا كان من غد، قلت: قد قال رسول الله صلى الله عليه، من رآني

في المنام، فقد رآني، لأنّ الشيطان لا يتمثّل بي، فلم لا أقصد الوزير؟

قال: فقصدته، فلما جئت إلى الباب، منعت من الوصول إليه، فجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فخرج الشافعيّ صاحبه، وكان يعرفني معرفة ضعيفة، فأخبرته الخبر.

فقال: يا هذا، إنّ الوزير، والله، في طلبك منذ السّحر، وإلى الآن، وقد سئلت عنك، فما عرفتك، وما عرّفنيك أحد، والرسل مبثوثة في طلبك، فكن مكانك.

قال: ومضى، فدخل، فما كان بأسرع من أن دعوني، فدخلت إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى.

فقال: ما اسمك؟

قلت: فلان ابن فلان العطّار.

قال: من أهل الكرخ؟

قلت: نعم.

قال: يا هذا أحسن الله جزاءك في قصدك إيّاي [ ط]، فو الله ما تهنّيت بعيش منذ البارحة، جاءني رسول الله صلى الله عليه، في منامي، فقال: أعط فلان بن فلان العطّار في الكرخ أربعمائة دينار، يصلح بها شأنه، وكنت اليوم، طول نهاري، في طلبك، وما عرّفنيك أحد.

ثم قال: هاتم ألف دينار، فجاءوا بها عينا.

فقال: خذ منها أربعمائة دينار، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه، وستمائة دينار، هبة مني لك.

فقلت: أيّها الوزير ما أحبّ أن أزاد على عطية رسول الله صلى الله

عليه شيئا، فإنّي أرجو البركة فيها، لا فيما عداها.

فبكى عليّ بن عيسى، وقال: هذا هو اليقين، خذ ما بدا لك.

فأخذت أربعمائة دينار، وانصرفت.

فقصصت قصّتي على صديق لي، وأريته الدنانير، وسألته أن يحضر غرمائي، ويتوسّط بيني وبينهم، ففعل.

وقالوا: نحن نؤخّره ثلاث سنين بالمال، فليفتح دكّانه.

فقلت: لا، بل يأخذون مني الثلث من أموالهم، وكانت ستمائة.

فأعطيت كل من له شيء، ثلث ماله، وكان الذي فرّقته مائتي دينار.

وفتحت دكاني، وأدرت المائتين الباقية في الدكان، فما حال الحول عليّ، إلّا ومعي ألف دينار.

فقضيت ديني كلّه، وما زال مالي يزيد، وحالي تصلح.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.