من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
نسخة كتاب من أبي محمد يحيى الأزدي إلى الأمير أبي تغلب بن ناصر الدولة
كان الحسين وإبراهيم ابنا ناصر الدولة، خالفا على أخيهما أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة، عقيب قبضه على أخيهم محمد بن ناصر الدولة، وإصعاده به إلى القلعة مقيّدا، وقبضه نعمته، وخرجا إلى أعماله محاربين له، ومواطئين حمدان بن ناصر الدولة، على محاربة أبي تغلب، واجتمعا معه، فخرج أبو تغلب بالجيوش إليهم، فلقيهم، وانهزم حمدان، ودخل الحسين إلى أبي تغلب، وانحدر إبراهيم إلى باب السلطان ببغداد، ليدخل في الأمان، وكان ابتداء ذلك في شعبان سنة ستين، والصلح في شوال.
فكتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد، إلى أبي تغلب بالتهنئة على ذلك كتابا نسخته:
لم تزل عادة الله عند مولانا الأمير السيّد، أطال الله بقاءه، وأدام تأييده [ ط]، وكبت أعداءه، جارية بالمواهب النبيلة، والنّعم المتصلة الجليلة، [متّسقة] على التوفيق والسداد، مطّردة بمنّة الله أجمل اطّراد، لما خصّه الله تعالى به من حسن النية وجميل الاعتقاد، وأفرده من تغمّد الحق في الإصدار والإيراد، وألهمه إيّاه من التوفّر على شكره وحمده، واجتلاب
المزيد لذلك من عنده، فابتداءاته- أدام الله تأييده- دالّة على حسن عواقبها، ومبشّرة بنيل البغية في أوائل الأمور وأواخرها، وأفعاله مقترنة أبدا بالرشاد، وآراؤه بحمد الله مصاحبة للصواب والسداد، وراياته موصولة بالعزّ والنصر، ونعم الله عنده محفوظة بالحمد والشكر، وبحسب ذلك تكون دواعي المزيد، على قدر تضاعف التمكين والتأييد، ولهذه الشيم السنية، والفضائل الجليلة العلية، والطوية الحميدة المرضية، ما يجدّد الله منحه لديه، ويديم دفاعه عنه وإحسانه إليه، ويسبغ آلاءه ونعمه عليه، ويجعل كلمته العليا، وكلمة أعدائه بسهم الله السفلى، وينوّه باسمه- ثبّته الله- في سائر البلاد، ويجعل زناده- أناره الله- أضوأ زناد، ويشرّف الدعاء- على التنائي- بذكره، ويصل ألسنة من قرب وبعد بشكره، والحمد لله على ما خوّله وأولاه، وإليه الرغبة في زيادته فيما نوّله وأعطاه، وحراسته في بدء كلّ أمر وعقباه، وإعلائه على كل من حسده وناواه، وقصّر عن شأوه فعاداه، والحمد لله الذي جعل سفرته ظاهرة البركة، سعيدة السكون والحركة، ميمونة الأحوال، محمودة الحلّ والترحال، مؤذنة بحسن الانقلاب، على أحسن الوجوه وأجمل الأسباب، عائدة بشكر الرعية ودعائهم، جامعة لنيّاتهم على اختلاف آرائهم، وهو المرجوّ الإعانة على ما قرّب إليه، والمسؤول حسن التوفيق لما يزلف لديه، إنّه وليّ حميد، فعّال لما يريد، ولقد صدق الله، وله الحمد، في مولانا- أدام الله عزّه- ظنون أوليائه وأهل طاعته، وحقّق بما تفضّل به من ظهوره على أعدائه، تقديرات خدمه وعبيد نعمه، فشكرهم لله تعالى على ما منحه من التوفيق والنعمة في ذلك بحسب موقعها، ومقدارها وموضعها، وما يخصّهم ويعمّ غيرهم منها، ويصل إلى القاضي والداني الحظّ بها، ولن يرتفع لغادر علم إلا وضعه الله سبحانه وتعالى بمثله- أيّده الله- من كرام المخلصين لديه، ولا يبسط لمبطل أمل
إلّا قطعه الله تعالى بأقرب الطائعين إليه، فعال الله جلّ ذكره في عباده، ليجعل جنده المنصورين، وأعداءه المقهورين، وليظهر حقّه على يد مستحقّه، ويهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حيّ عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم، وردّ الله الذين كفروا نعمة مولانا بغيظهم إليه أيده الله، لم ينالوا خيرا، إلّا منه [ ط] حرسه الله، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّا عزيزا، وهنّأ الله مولانا الأمير نعمه عليه، وضاعف قسمه ومنحه إليه، وأصلح به وعلى يديه، وجعل الخير والسعادة واصلين إليه، وكبت عداته وحسدته، وبلّغه في الدين والدنيا أمنيته، ولا ابتزّه ثوب نعمته، وحرس الأمّة بحراسة مهجته، وصرف عين السوء عن دولته، وشدّ قواها بقدرته، فالسعيد من وفّق لخدمته، وحظي بجميل رأيه، والشقيّ من نفر عن حوزته، وخرج عن ظلّه وجملته، والله وليّه والدافع عنه، والذابّ عن الإسلام وأهله ببقائه، والمحسن إليهم بالمدافعة عن حوبائه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع