تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

شطرنجي يتحدث عن فضائل الشطرنج

حدّثني أبي، قال:

كان لي صاحب يخدم أبي، ويخدمني بعده، من أهل أنطاكية، يقال له: أبو إبراهيم، وكان مستهترا بلعب الشطرنج، وكان له فيها عجائب، منها:

إنّ غلماني كانوا يلاعبونه بها، وكان إذا لعب بها برك على الأرض، واتّكأ على ذراعيه كالنائم، فيجيء أحدهم من ورائه، فيعبّي على ظهره عدّة مخاد، فلا يشعر بها، فإذا انقضى الدست، أحسّ بذلك، فنحّاها عن ظهره، وشتمهم.

قال: فحدّثني هو، قال:

دخلت ليلة إلى صديق لي مستهتر بالشطرنج أيضا، وكانت المغرب قد وجبت.

فقال لي: بت عندي الليلة حتى نلعب بالشطرنج ونتحدّث، فما بتّ.

فقال: نصلّي، ونلعب دستا أو دستين إلى وقت العتمة، وتنصرف.

فصلّينا، وجعل السراج عندنا، ولعبنا، وطاب لي اللعب، فواصلناه،

والليل يمضي ونحن لا نشعر به، إلى أن أحسسنا في أنفسنا بتعب شديد وضجر، ووافق ذلك سماعنا الاذان.

فقلت له: قد أذّنت العتمة، وتعبت، ولا بدّ من قيامي.

فصاح بغلمانه، فلم يجيبوه، فقام معي، فأنبههم، وقال: أمضوا بين يديه.

فلما خرجنا نظرنا، فإذا الأذان، هو أذان الغداة، وإذا الليلة كلّها قد مضت، ونحن لا نعقل.

قال [أبي]: وكذا كان على الاستهتار بها، فإذا لمته، قال:

ليس أنا مستهتر بها، المستهتر بها هو مثل من قيل له وقد احتضر: قل لا إله إلّا الله، فقال: شاهك، ودع الرخ.

قال: فقلت له: لا أعرف مثلك، كأنّك لست ترضى من نفسك، إلّا بهذا القدر؟

قال: وكان يصف من فضائل الشطرنج أشياء، فيقول: هي تعلّم الحرب وتشحذ اللّبّ، وتدرّب الإنسان على الفكر، وتعلّمه شدّة البصيرة.

فلو لم يكن فيها شيء من المعوز في غيرها إلّا أن أهل الأرض يلعبون بها منذ ألوف سنين، ما وقع فيها دست معاد قط من أوله إلى آخره [لكفى].

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.