تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الحلاج في جامع البصرة

حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله القاضي المعروف بابن نصرويه قال:

حملني [خالي] معه إلى الحسين بن منصور الحلّاج، وهو إذ ذاك في جامع البصرة، يتعبّد، ويتصوّف، ويقرئ، قبل أن يدّعي تلك الجهالات، ويدخل في ذلك.

وكان أمره إذ ذاك مستورا، إلّا أن الصوفية تدّعي له المعجزات من طرائق التصوف، وما يسمّونه معونات، لا من طرائق المذهب.

قال: فأخذ خالي يحادثه، وأنا صبيّ جالس معهم، أسمع ما يجري.

فقال لخالي: قد عملت على الخروج من البصرة.

فقال له خالي: لم؟

قال: قد صيّر لي أهل هذا البلد حديثا، وقد ضاق صدري، وأريد أن أبعد عنهم.

فقال له: مثل ماذا؟

قال: يرونني أفعل أشياء، فلا يسألونني عنها، ولا يستكشفونها فيعلمون أنّها ليست كما وقع لهم، ويخرجون ويقولون: الحلّاج مجاب الدعوة، وله معونات قد تمّت على يده، وألطاف، ومن أنا حتى يكون لي هذا؟

بحسبك، إنّ رجلا حمل إليّ منذ أيّام دراهم، وقال لي: اصرفها إلى الفقراء، فلم يكن يحضرني في الحال أحد، فجعلتها تحت بارية من بواري الجامع، إلى جنب أسطوانة عرفتها، وجلست طويلا فلم يجئني أحد، فانصرفت إلى منزلي، وبتّ ليلتي، فلما كان من غد، جئت إلى الأسطوانة، وجلست أصلّي، فاحتفّ بي قوم من الصوفيّة، فقطعت الصلاة، وشلت البارية، وأعطيتهم تلك الدراهم.

فشنعوا عليّ بأن قالوا: إنّي إذا ضربت يدي إلى التراب صار في يدي دراهم.

قال: وأخذ يعدّد مثل هذا أشياء، فقام خالي عنه، وودّعه، ولم يعد إليه.

وقال: هذا منمّس، وسيكون له بعد هذا شأن.

فما مضى إلّا قليل، حتى [ ط] خرج من البصرة، وظهر أمره وتلك الأخبار عنه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.