من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بين الخليفة المكتفي والتاجر ابن الجصاص
قال: ومن عجيب أخبار ابن الجصّاص، انّه طلب منه المكتفي عقدا حسنا من فاخر الجوهر، يبتاعه منه.
فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟
قال: ثلاثين ألف دينار.
قال: لا تصيب كما تريد، ولكن عندي عقد فيه ستّون حبّة، ولا أبيعك إيّاه بأقل من ستين ألف دينار، فإن أذنت، حملته.
فقال: افعل.
فحمله إليه، والعبّاس بن الحسن قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه، وقال: ما رأيت مثل هذا قط.
فقال: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل؟
فتنكّر المكتفي، وتنمّر، وهمّ به.
فأومأ إليه العبّاس بالإمساك، فأمسك، وترك العقد ابن الجصّاص، بحضرة الخليفة، وخرج.
فقال المكتفي للعبّاس: بالله، وبحقي عليك، هذه الكنية تلقبّني بها العامة؟
فقال: لا والله يا مولانا، ولكن هذا رجل رقيع عاميّ، والعامّة إذا افتخرت على إنسان، قالت له مثل هذا، وقد ربحت بهذه الكلمة العقد، بلا ثمن، فدعني وابن الجصّاص، فإن جاءك فأحله عليّ.
فلما كان بعد أيّام، جاء ابن الجصاص، فأذكر المكتفي بثمن العقد.
فقال له: إلق العبّاس.
فجاء إليه، فطالبه بالمال.
فقال: ويحك، تطالب بثمن العقد، بعد ما لقّبت الخليفة بسببه، واجترأت عليه بما لا يجوز أن تجترئ بمثله على بعض غلمانه؟ لا تتكلّم بهذا فتولّد لنفسك منه، ما لا تحتاج إليه.
فأمسك ابن الجصّاص، وذهب منه العقد والمال بالكلمة
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع