من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
سبب اختصاص أبي عبد الله ابن الجصاص بأبي الجيش خمارويه أمير مصر
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش. قال: سمعت مشايخنا، يقولون:
إنّ أصل اختصاص ابن الجصّاص بأبي الجيش ابن طولون، أنّ أبا الجيش كان يشرب، إذا قعد للشرب، أربعين رطلا من نبيذ مصر المعروف بالشيروي.
قال: ومن يشرب منه رطلا، يقدر أن يشرب من غيره أرطالا.
وكان لا يصبر معه أحد من ندمائه، ويسكرون قبله، فيصعب ذلك عليه، ويبقى وحده، فكان يتطلّب المجيدين للشرب.
فوصف له ابن الجصاص، وهو إذ ذاك يتّجر في الجوهر، فاستدعاه، فأدخل إليه، فحين مثل بين يديه، قبّل الأرض، ولم يكن الناس يعرفون ذلك، فاستظرف خمارويه حسن أدبه.
وقال: أبو من؟
قال: عبد الأمير الحسين.
فقال: هذه اثنتان.
فواكله، وشاربه، قدحا وقدحا، حتى سكر خمارويه، ثم شرب بعده رطلا.
فبلغ ذلك خمارويه من غد، فأدخله، وأجازه جائزة عظيمة.
وقال: ما صناعتك؟
قال: الجوهر.
فقال: لا يبتاع لنا شيء إلّا على يده، وكان مشغوفا به، فكسب فيه الأموال.
وحصل يأكل معه، ويشاربه إذا أراد الشرب، فينام ندماؤه كلهم غيره، فولّد ذلك له أنسا تاما به، فكان يخرج إليه على النبيذ بأسراره، ويحادثه، ويأنس به.
وردّ إليه أمر داره، والإشراف على جميع نفقاته.
ولم تزل حاله تقوى وتتزايد، حتى عرض له تزويج ابنته بالمعتضد، فأنفذه في الرسالة حتى عقد الإملاك، ثم أجرى أمر الجهاز على يده، فجرف الأموال بغير حساب.
قال: فأخبرني بعض أصحابنا، [ ط] أنه لحق بعض الفرش الذي كان في جهاز قطر الندى ابنة خمارويه، مطر، فيما بين دمشق والرملة، فنزلها ابن الجصاص، وكتب إليه يعرّفه الخبر، ويستأذنه في تطرية ذلك، فأذن له فيه.
فأقام شهرين لهذا السبب، وطرّى الفرش، فاحتسب في النفقه، ثلاثين ألف دينار.
قال: ولما حصلت قطر الندى ببغداد، أضاق خمارويه إضاقة شديدة، لأنّه افتقر بما حمله معها، وخرج من جميع نعمته، حتى طلب شمعة، فاحتبست عليه ساعة، إلى أن احتيلت.
فقال: لعن الله ابن الجصّاص، أفقرني في السر.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع