من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
إسماعيل بن بلبل والأعرابي العائف
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
أخبرني من أثق به، إنّ إسماعيل بن بلبل، لمّا قصده صاعد، لزم داره، وكان له حمل قد قرب وضعه، فقال: اطلبوا لي منجّما يأخذ مولده، فأتي به.
فقال له بعض من حضر، ما تصنع أيّدك الله بالنجوم؟ هاهنا أعرابيّ عائف، ليس في الدنيا أحذق منه.
فقال: يحضر، فأسماه الرجل، فطلب، وجاء.
فلما دخل عليه، قال له إسماعيل: تدري لأي شيء طلبناك؟
قال: نعم.
قال: ما هو؟
فأدار عينه في الدار، فقال: لتسألني عن حمل، وقد كان إسماعيل أوصى أن لا يعرّف، فتعجب من ذلك.
فقال له: فأي شيء هو؟ أذكر أم أنثى؟
فأدار عينه [ ط] في الدار، فقال: ذكر.
فقال: للمنجّم: ما تقول؟
قال: هذا جهل.
فبينا نحن كذلك، إذ طار زنبور على رأس إسماعيل، وغلام يذب عنه، فضرب الزنبور، فقتله.
فقام الأعرابي، وقال: قتلت والله المزنّر، ووليت مكانه، ولي حقّ البشارة، وجعل يرقص، وإسماعيل يسكّنه، فنحن كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة.
فقال: انظروا ما المولود؟ فقالوا: ذكر.
فسرّ إسماعيل بذلك سرورا شديدا، لإصابة العائف في زجره، وترجيّه الوزارة، وهلاك صاعد، ووهب للأعرابيّ شيئا، وصرفه.
فما مضى على هذا إلّا دون شهر، حتى استدعى الموفّق إسماعيل، وقلّده الوزارة، وسلّم إليه صاعدا، [فكان يعذّبه، حتى قتله.
فلمّا سلّم إليه صاعد]، ذكر حديث الأعرابي، فطلبه، فجاءوا به.
فقال: خبّرني كيف قلت ما قلته ذلك اليوم؟ وليس لك علم بالغيب، ولا هذا ممّا يخرج في نجوم.
فقال: نحن إنّما نتفاءل ونزجر الطير، ونعيف ما نراه، فسألتني أوّلا، لأيّ شيء طلبت؟
فتلمّحت الدار، فوقعت عيني على برّادة عليها كيزان معلقة في أعلاها، فقلت: حمل.
فقلت لي: أصبت، ثم قلت لي: أذكر أم أنثى؟
فتلمّحت، فرأيت فوق البرّادة عصفورا ذكرا، فقلت: ذكر.
ثم طار الزنبور عليك، وهو مخصّر، والنصارى مخصّرون بالزنانير، والزنبور عدوّ، أراد أن يلسعك، وصاعد نصراني الأصل، وهو عدوّك، فزجرت أنّ الزنبور عدوّك [صاعد] وأنّ الغلام لمّا قتله، إنّك ستقتله.
قال: فوهب له شيئا صالحا، ثم صرفه.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع