تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أعراب ثلاثة يتنبأون بموت قاضي القضاة ودفنه في داره

وحدّثنا أبو الحسين، قال:

اجتزت أنا وأبو طاهر بن نصر القاضي، بشارع القاضي، نقصد دار قاضي القضاة أبي الحسين، في علّته التي مات فيها، لنعوده، فإذا بثلاثة من الأعراب ركبان.

فشال أحدهم رأسه، وقد سمع غرابا ينعب على حائط دار أبي الحسين قاضي القضاة.

فقال للنفسين اللذين خلفه: إنّ هذا الغراب ليخبرني بموت صاحب الدار.

فقال له الآخر: أجل إنّه ليموت بعد ثلاثة أيّام.

فقال الآخر: نعم ويدفن في داره.

فقلت: أسمعت ما قالوا؟ فقال: نعم.

فقلت: هؤلاء أجهل قوم، وافترقنا.

فلما كان في ليلة اليوم الرابع سحرا، ارتفعت الصيحة بموت قاضي القضاة أبي الحسين، فذكرت قول الأعرابي، وعجبت.

وحضرنا جنازته، ودفن في داره.

فقلت لأبي طاهر: رأيت أعجب من وقوع مقالة الأعراب بعينها؟

أيش هذا؟

فقال: لا والله، ما أدري، ولكن تعال حتى نسأل عنهم [ ط]، ونقصدهم، ونستخبر منهم من أين لهم ذلك.

قال: فكنّا أيّاما، نسأل عنهم، وعن حلّتهم من البلد، فلا نخبر.

إلى أن أخبرونا بنزول حلة من بني أسد بباب حرب، فقصدناهم.

فقلنا: هل فيكم من يبصر الزجر؟

فقالوا: أجل، ثلاثة إخوة في آخر الحيّ، يعرفون ببني العائف، ودلّونا على أخبيتهم.

فجئنا، فصادفنا أصحابنا بأعيانهم، ولم يعرفونا، فأخبرناهم بما سمعناه منهم، وسألناهم عنه.

فقالوا: إنّا، وغيرنا من العرب، نعرف نعيبا للغراب بعينه، لا ينعبه في موضع إلّا مات ساكنه، مجربا على قديم السنين في البوادي، لا يخطئونه، ورأينا ذلك الغراب، نعب ذلك النعيب الذي نعرفه.

[فقلنا للآخر: كيف قلت إنّه يموت بعد ثلاثة أيّام؟

قال: كان ينعب ثلاثا متتابعات ثم يسكت، ثم ينعب ثلاثا على هذا، فحكمت بذلك].

فقلت للآخر: وكيف قلت إنّه يدفن في داره؟

قال: رأيت الغراب يحفر الحائط بمنقاره ورجليه، ويحثو على نفسه التراب، فقلت: إنّه يدفن في داره.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.