تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أبو عبد الله الكرخي يحب مؤاكلة الأكول

ولكنّ أبا عبد الله جعفر بن القاسم الكرخيّ هو الجواد على الطعام والمال.

ولقد دخلت إليه يوما بالأهواز، وهو عاملها، أقلّب عليه ثيابا، ولم تكن بيننا معرفة، فأخذ منها ما أراد، وواقفني على الأثمان، وطال جلوسي عنده، فجاء غلمانه بأطباق فاكهة، فقمت.

فقال: ما هذا الخلق النبطيّ يا أبا الحسن؟ اجلس، فجلست، وأخذنا في الأكل، وكنت جائعا، فأقبلت آكل كمّثراة، كمّثراة، في لقمة، وخوخة خوخة، في لقمة، وتينة تينة، في لقمة، وهو ينظر إلى ذلك، ويستحسنه، ويضحك منه، ويعجبه ويستطرفه، وكان ضعيف الأكل جدّا.

وكلّما جئت لأقطع، حلّف عليّ، ولقّمني بيده.

ثم شيلت الفاكهة، وجاءوا بالطعام، وكانت هذه صورتي عنده، وانصرفت.

فلمّا كان من غد نصف النهار، وكنت جالسا في دكّاني بالبزّازين، فإذا بفرّاش ومعه غلام تحته بغل.

فقال: العامل يطلبك، فلم أدر ما هو، فركبت البغل وصرت إليه،

وإذا المائدة منصوبة، وهو ينتظرني.

فقلت: ما يأمر الأستاذ أيّده الله؟

فقال: إنّي استطبت مؤاكلتك بالأمس، وأكلت فضلا ممّا جرت عادتي به، فلمّا قدّمت اليوم المائدة، لم أتهنّأ بالأكل، فعزلتها واستدعيتك، وأريد أن تجيني في كلّ يوم.

قال: فكنت أتأخّر في الأيّام، فيعاتبني، وينفذ إليّ بغلا أركبه.

وولّد ذلك لي محلّا عظيما في البلد، وجاها، وكسبت به عليه في البزّ وغيره، ممّا رد إليّ شراءه من جميع ما كان يحتاج إليه في داره، مالا جليلا.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.