من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عيار بغدادي يحتال على أهل حمص
حدّثني أبو الطيّب بن عبد المؤمن، قال:
خرج بعض حذاق المكدّين من بغداد إلى حمص، ومعه امرأته.
فلما حصل بها، قال لها: إنّ هذا بلد حماقة ومال، وإنّي أريد أن أعمل معييا - قال: وهذه كلمة لهم إذا أرادوا أن يعملوا حيلة كبيرة- فساعديني عليها بالصبر.
قالت: شأنك.
فقال: كوني بموضعك، ولا تجتازين بي البتّة، وإذا كان كلّ يوم خذي لي ثلثي رطل زبيبا، وثلثي رطل لوزا نيّا، فاعجنيه، واجعليه وقت الهاجرة على آجرة نظيفة، لأعرفها، في الميضأة الفلانيّة، وكانت قريبة من الجامع، ولا تزيديني على هذا شيئا، ولا تمرّين بناحيتي.
فقالت: أفعل.
قال: وجاء هو، وأخرج جبّة صوف كانت معه، فلبسها، وسراويل صوف، ومئزرا جعله على رأسه.
واعتمد اسطوانة في الجامع بحيث يجتاز عليها أكثر الناس، فلزمها يصلّي نهاره أجمع، وليله أجمع، ولا يستريح إلّا في الأوقات المحضورة فيها الصلاة، وإذا جلس للراحة سبّح، ولم ينطق بلفظة.
ولم يشعر به أيّاما، ثم تنبّه على مكانه.
وروعي مدة، وعرف خبره، ووضعت العيون عليه، فإذا هو لا يقطع
الصلاة، ولا يذوق الطعام، فتحيّر أهل البلد في أمره.
وكان لا يخرج من الجامع إلّا في الهاجرة، في كل يوم دفعة، حتى يمضي إلى تلك الميضأة، فيبول، ويعمد إلى تلك الآجرة، وقد عرفها، وعليها ذلك المعجون، وقد صار مستحيلا، وصورته صورة الغائط الناشف المستحيل، فمن يدخل ويخرج، لا يشك أنّه غائط، فيأكله، ويقيم أوده، ويرجع، فإذا تمسّح لصلاة العتمة في الليل، شرب كفايته من الماء.
وأهل حمص يظنون أنّه لا يذوق الماء ولا الطعام، وأنّه طاو طول تلك المدّة.
فعظم شأنه ومحلّه عندهم، وقصدوه، وكلّموه، فلم يجب، وأحاطوا به، فلم يلتفت، واجتهدوا في خطابه، فلزم لهم هذا الصمت والعمل.
فزاد محلّه عندهم، حتى إنّهم كانوا إذا خرج للطهور، جاءوا إلى موضعه فيتمسّحون به، ويأخذون التراب من موضع مشيه، ويحملون إليه المرضى فيمسح بيده عليهم.
فلمّا رأى أنّ منزلته قد بلغت إلى ذلك، وكان قد مضى على هذا الفعل سنة، اجتمع في الميضأة مع امرأته، وقال:
إذا كان يوم الجمعة، كما تصلي الناس، فتعالي، فاعلقي بي، والطمي وجهي، وقولي لي: يا عدوّ الله يا فاسق، قتلت ابني ببغداد، وهربت إلى هاهنا، وجئت تتعبّد، وعبادتك مضروب بها وجهك.
ولا تفارقيني، وأظهري أنّك تريدين قتلي بابنك، فإن الناس يجتمعون عليك، وأمنعهم أنا من أذيّتك، وأعترف بأنّي قتلته، وتبت، وجئت إلى هاهنا، للعبادة والتوبة، والندم على ما كان منّي.
فاطلبي قودي بإقراري، وحملي إلى السلطان، فسيعرضون لك الدية فلا تقبليها، أو يبذلوا لك عشر ديات، أو ما استوى لك بحسب ما ترين من زيادتهم، وحرصهم.
فإذا تناهت عطيّتهم في افتدائي إلى حدّ يقع لك أنّهم لا يزيدون بعده شيئا، فاقبلي الفداء منهم، واجمعي المال، وخذيه، واخرجي من يومك عن البلد إلى طريق بغداد، فإنّي سأهرب، وأتبعك.
فلما كان من الغد جاءت المرأة، فلما رأته، فعلت به ما قال لها، ولطمته وقالت المقالة التي علّمها.
فقام أهل البلد ليقتلوها، وقالوا: يا عدوّة الله، هذا من الأبدال هذا من قوّام العالم، هذا قطب الوقت، هذا صاحب الزمان، هذا، هذا.
فأومأ إليهم أن اصبروا ولا تنالوها بسوء، فصبروا، وأوجز صلاته، ثم سلّم، وتمرّغ في الأرض طويلا.
ثم قال للناس: هل سمعتم لي كلمة منذ أقمت فيكم؟
فاستبشروا لسماع كلامه، وارتفعت صيحة عظيمة، وقالوا: لا.
قال: فإنّي إنّما أقمت عندكم تائبا ممّا ذكرته، وقد كنت رجلا في زيغ وخسارة، فقتلت ابن هذه المرأة، وتبت، وجئت إلى هاهنا للعبادة،
وكنت محدّثا نفسي بالرجوع إليها، وطلبتها لتقيدني، خوفا من أن لا تكون توبتي قد صحّت، وما زلت أدعو الله تعالى أن يقبل توبتي، ويمكّنها مني، إلى أن أجيبت دعوتي، وقبل الله توبتي، لمّا جمعني وإيّاها، ومكّنها من قودي، فدعوها تقتلني، وأستودعكم الله تعالى.
قال: فارتفعت الصيحة والبكاء.
وقال له هذا: يا عبد الله ادع لي.
وقال له هذا: ادع لي.
وأقبلت المرأة بين يديه، وهو مارّ إلى والي البلد، وهو يمشي على تأنّ ورفق، ليخرج من الجامع إلى دار الأمير، فيقتله بابنها.
فقال الشيوخ: يا قوم لم ضللتم عن مداواة هذه المحنة؟ وحراسة بلدكم بهذا العبد الصالح؟ فارفقوا بالمرأة، وسلوها قبول الدية، ونجعلها من أموالنا.
فأطافوا بها، وسألوها، فقالت: لا أفعل.
قالوا: خذي ديتين.
فقالت: شعرة من ابني بألف دية.
فما زالوا حتى بلغوا عشر ديات.
فقالت: اجمعوا المال، فإذا رأيته، إن طاب قلبي بقبوله، والعفو عن الدم، فعلت، وإلّا قتلت القاتل.
فقالوا: نعم.
فقال الرجل: قومي عافاك الله، وردّيني إلى موضعي من الجامع.
قالت: لا أفعل.
قال: فذاك إليك.
فما زالوا يجمعون إلى أن جمعوا مائة ألف درهم، فقالوا: خذيها.
قالت: لا أريد إلّا قتل قاتل ابني، فهو آثر في نفسي.
فأقبل الناس يرمون بثيابهم، وأرديتهم، وخواتيمهم، والنساء بحليهنّ، والرجال كلّ يرمي بشيء من متاعه، ومن لم يتحمّل من ذلك الفداء، كان في أمر عظيم، وكأنّه قد خرج من الدنيا.
فأخذته، وأبرأته من الدم، وانصرفت.
فأقام الرجل في الجامع أيّاما يسيرة، حتى علم أنها قد بعدت، ثم هرب في بعض الليالي، وطلب من غد فلم يوجد، ولا عرف له خبر.
حتى انكشف لهم أنّها حيلة عملها، بعد مدّة طويلة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع