تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

تاجر يتحدث عن صفقة عقدها وراء باب الأبواب

وحدّثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب، عن رجل من التجّار الموغلين في الأسفار، قال:

سافرت إلى وراء باب الأبواب بمسافة بعيدة، ومعي متاع.

فبلغت أرضا لها أهل بيض شقر، مرط، دقاق، قصار، عراة، قليلو الأظفار، لغتهم لغة غير الفارسية والتركية، لا أعرفها، لا ورق، في بلادهم، ولا عين، وإنّما يتعاملون بالأمتعة، والأغلب عندهم الغنم.

فحملت إلى ملكهم، فعرضت عليه ما معي، فاستحسن منه ثوب ديباج كان معي، منقّطا، فسألني عن ثمنه، فاستمت مالا كثيرا.

فقال لي: لا مال عندنا وإنّما هي هذه الأمتعة، فإن صلحت لك، فخذ ما شئت.

فقلت: لا تصلح لي.

فقال: فالغنم؟

فقلت: كم عساك تعطيني؟

فقال: حكمك.

فقلت: بعدد كل نقطة في الثوب شاة. فقال: قد أجبتك.

فأخذت أعدّ النقط، فلم ينضبط لي ذلك، وجهد جميع من عنده في هذا، فتعذّر عليهم.

فقال لي: ما نعمل الآن، قد تعبنا، وأتعبناك في شيء لا يصحّ، فهممت بحمل الثوب والانصراف.

ففكّر ساعة، ثم قال لترجمانه: قال له يبسط الثوب.

وكان له ترجمانان، يكلّم أحدهما بلغته، فيكلّم الترجمان، ترجمانا آخربلغة أخرى، فيكلّمني ذاك بالفارسية، فأفهم.

قال: فبسطت الثوب، وأمر الملك، فأحضر كلّ ما قدر عليه من حصى صغار وأحجار لطيفة، فترك على كل نقطة حصاة، حتى امتلأ الثوب بالحصى والحجارة اللطاف فوق النقط.

ثم أمر بجمع أمر عظيم من الغنم، وأوقفت بحضرته، وأمر رجالا أن يجلسوا، ورجالا [أن يقوموا] فجلس بعضهم على الثوب.

فكانوا يأخذون حصاة حصاة فيلقونها عن الثوب، فكلما ألقى من الجلوس رجل حصاة، أخذ رجل من القيام، شاة من الموضع الذي فيه الغنم إلى رحلي، وسلّمت إلى أصحابي، حتى استوفيت على عدد الحصى الذي كان فوق الثوب، بكل نقطة شاة.

قال: فاستحسنت فطنته لذلك، فقلت للتراجم: قولوا له: ما أنصرف إلى بلدي بشيء أحسن من فطنة الملك، لاستخراج هذا، فكيف وقع له هذا وهو لا يلابس مثله؟ وأنا تاجر، وما وقع لي، ولا لجميع أهل مملكته.

قال: فأعجبه قولي، وقال: إنّك لما أردت الانصراف، تأسّفت على

ما يفوتني من الثوب، ففكّرت، والملوك لا بدّ أن يدرّبهم الملك، ويصيّر لهم مزيّة في حيل الرأي في الحوادث التي تطرقهم، ليست لغيرهم، لأنّ أفكارهم صافية من الاهتمام بما يهتم به غيرهم من المعايش، موقوفة على مصالح المملكة، ومداراة الخوارج، أو على الشهوات، قدر ما شغلوا به نفوسهم، وليس يتحصّل لواحد منهم الملك، إلّا لشرفه، ومعنى قد فضل به، وتقدّم من أجله، إما بسعادة تخدمه، أو بفضل في نفسه، فلما رأيت أنّ الثوب يريد أن يفوتني، فكّرت، كيف الحيلة في عدّ النقط، فوقع لي ما رأيت.

فقلت له: أيّها الملك، فائدتي بما سمعته منك، من هذا الكلام، أحب إليّ من فائدتي بما ربحته عليك في ثمن الثوب.

قال: فأجازني بجائزة سنيّة، وأصحبني من آنسني، وخدمني في طريقي، وحمل معي تلك الغنم، إلى أن خرجت من أعماله، فبعتها بمال عظيم.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.