من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه
وحدّثني القاضي أبو بكر، قال: حدثني مكرّم بن بكر، قال:
كنت في مجلس أبي خازم القاضي، فتقدّم رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فاستدعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا.
فقال له: ما تقول؟. فأقرّ.
قال: فقال للشيخ: ما تشاء؟
قال: حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك في أن تنقده البعض، وتسأله الإنظار؟
قال: لا.
فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه.
قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما، إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت لأبي خازم، وكانت بيننا مودّة وأنسة: لم أخرّ القاضي حبسه؟
فقال: ويحك إنّي أعرف في أكثر الأحوال، في وجوه الخصوم،
وجه المحقّ من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أنّ سماحة هذا بالإقرار، هي عن بليّة، وأمر يبعد عن الحقّ، وليس في ملازمتهما بطلان حقّ، ولعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء، أكون معه في الحكم على ثقة، أما رأيت قلّة تغاضبهما في المناظرة؟ وقلّة اختلافهما؟ وسكون جأشهما، مع عظم المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا، عجلا، بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبي خازم، لبعض وجوه تجّار الكرخ، ومياسيرهم، فأذن له، فدخل، وسلّم عليه، وسبّب لكلامه، فأحسن، ثم قال:
قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان والبلاء، عند مقيّن يعرف بفلان،- وأسماه- فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرّني إلى غرم له، وإن عذلته عن ذلك، وعدّدت حالي معه، طال، وأقربه اليوم، إنّه قد نصب المقيّن، ليطالبه بألف دينار عينا، ويجعل ذلك دينا حالا، وبلغني أنّه قد تقدّم إلى القاضي، فيطالبه، فيحبس، وأقع مع أمّه في بليّة وتنغيص عيش، إلى أن أؤدّي ذلك عنه إلى المقيّن، فإذا قبضه المقيّن، حاسبه به من الجذور.
ولما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب.
فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسّم، وقال لي: كيف رأيت؟
قال: فقلت: هذا، ومثله، من فضل الله ﷿، على [مولانا القاضي] وجعلت أدعو له.
فقال: عليّ بالغلام والشيخ، فأدخلا.
فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، فأقرّ الشيخ أنّ الصورة كما بلغت القاضي، وأن لا شيء له عليه.
وأخذ الرجل بيد ابنه، وانصرفا.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع