من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الأمير الراسبي يأمر بقتل أحد المجرمين على مائدته
كان أبو محمد المهلّبي، يكثر الحديث على طعامه، ويكون أطيب الحديث، وأكثره مذاكرة بالأدب، وضروب الحديث، على المائدة، لكثرة من يجمعهم عليها من العلماء والكتاب والندماء، وكنت كثيرا ما أحضر.
فقدّم إليه في بعض الأيّام طيهوج، فقال: أذكرني هذا، حديثا طريفا.
فسئل: ما هو؟
فقال: أخبرني بعض من كان يعاشر الراسبيّ الأمير، قال:
كنت آكل معه يوما، وعلى المائدة خلق عظيم، فيهم رجل من رؤساء الأكراد المجاورين لعمله، وكان ممّن يقطع الطريق، فاستأمن إليه، فأمّنه، واختصّه، وطالت أيّامه معه.
فكان في ذلك اليوم على مائدته، إذ قدّم حجل، فألقى الراسبيّ منه
واحدة إلى الكرديّ، كما يلاطف الرؤساء مواكليهم، فأخذها الكرديّ، وجعل يضحك.
فتعجّب الراسبيّ من ذلك، وقال: ما سبب هذا الضحك؟ وما نرى ما يوجبه.
فقال: خبر كان لي.
فقال: أخبرني به.
فقال: شيء طريف، ذكرته، لمّا رأيت هذه الحجلة.
قال: ما هو؟
فقال: كنت أيّام قطعي الطريق، وقد اجتزت في بعض المحجّة.
الفلانيّة، في الجبل الفلاني، وأنا وحدي، في طلب من آخذ ثيابه، حتى استقبلني رجل وحده، فاعترضته، وصحت عليه، فاستسلم إليّ، ووقف، فأخذت ما كان معه، وطالبته أن يتعرّى، ففعل، ومضى لينصرف.
فخفت أن يلقاه في الطريق، من يستنفره على طلبي، فأطلب، وأنا وحدي، فأؤخذ، فقبضت عليه، وعلوته بالسيف، لأقتله.
فقال: يا هذا، أيّ شيء بيني وبينك، قد أخذت ثيابي، وعرّيتني، ولا فائدة لك في قتلي.
فكتّفته، ولم ألتفت إلى قوله، وأقبلت أقنّعه بالسيف.
فتلفّت، كأنّه يطلب شيئا، فرأى حجلة قائمة، وهي على الجبل، فقال: يا حجلة، اشهدي لي عند الله تعالى أنّي أقتل مظلوما.
فما زلت أضربه، حتى قتلته، وسرت، فما ذكرت هذا الحديث، حتى رأيت هذه الحجلة، فذكرت حماقة ذلك الرجل، فضحكت.
قال: فانقلبت عين الراسبي حردا، وقال: لا جرم إنّ شهادة الحجلة عليك لا تضيع اليوم، في الدنيا قبل الآخرة، وما أمنتك إلّا على ما كان منك من فساد السبيل، فأمّا الدماء، فما أسقطها الله عنك بالأمان، وقد أجرى الله على لسانك الإقرار عندي، يا غلام، اضرب عنقه.
قال: فبادر الغلام إليه، وغيره، بسيوفهم يخبطونه، وضرب كل واحد منهم قفاه، فكأنّ رأسه قثّاءة قطعت نصفين.
فتدحرج رأسه بين أيدينا، ونحن على المائدة، وجرّت جثته.
ومضى الراسبي في الأكل.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع