تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقق مع المتهمين

حدّثني أبو القاسم بهلول بن أبي طالب القاضي وهو محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ، قال: حدّثني صاحب الربع، بباب الشام، وأسماه لي، قال:

كنت أعمل في أصحاب الشرط، مع أبي الحسن الأبزاعجيّ، صاحب الشرطة ببغداد، فأخرج لصوصا من الحبس، واستأذن معزّ الدولة في صلبهم، وقتلهم عند الجسر، فأذن في صلبهم عشيّا، وكانوا عشرين رجلا، ووكّل بهم جماعة كنت فيهم، والرئيس علينا فلان.

وقال: كونوا عند خشبهم بقيّة يومكم وليلتكم، حتى إذا كان من غد، ضربت أعناقهم هنا.

وقضينا الليل نوما، فثقل رئيسنا في نومه، وجماعتنا.

فاحتال بعض اللصوص، في أن قطع الحبل، ونزل من الخشبة، فما انتبهنا، إلّا بصوت وقعه، وعدوه.

فعدا رئيسنا خلفه، وأنا معه، فما لحقناه.

وخفنا أن يتشوّش الرجّالة الباقون، فيفلت إنسان آخر، فرجعنا مسرعين، وجلسنا مغمومين، مفكّرين ماذا نعمل.

فقال رئيسنا: إنّ الأبزاعجيّ لا يقيل لي عثرة، ولا يقبل مني عذرا، ويقع له أنّني قد أخذت من أحد اللصوص مالا وأفلتّه، فيضربني للتقرير، فلا أقرّ، فيقع له، أنّني أتجلّد عليه، فيمرّ الضرب عليّ، إلى أن أتلف، فما الرأي؟

فقلت: تهرب.

قال: فمن أين أعيش؟

فقلت: هذا نصف اللّيل، ولم يعلم بما جرى أحد، فقم حتى نطوف، فلا يخلو أن يقع بأيدينا مشؤوم، قد حانت منيّته، فنوثقه، ونصلبه، ونقول له: سلّمت إلينا عشرين رجلا، فإنّه ما أثبت حلاهم.

فقال: هذا صواب.

فقمنا نطوف، وسلكنا طريق الجسر، لنعبر [إلى] الجانب الغربيّ، فرأينا في أسفل كرسيّ الجسر رجلا يبول، فعدلنا إليه، فقبضنا عليه.

فصاح: يا قوم ما لكم؟ أنا رجل ملّاح، صعدت من سميريّتي أبول، وهذه سميريّتي- وأومأ إليها- أيّ شيء بيني وبينكم؟

فضربناه، وقلنا: أنت اللّص الذي هرب من الخشبة، وجبناه، ورقيناه إلى الخشبة، وصلبناه مكان اللّص الهارب، وهو يصيح طول الليل، ويبكي.

فتقطّعت قلوبنا رحمة له، وقلنا: مظلوم، ولكن ما الحيلة؟

فلما كان من الغد، ركب الأبزاعجي إلى الحبس، وجاء، وقد اجتمع الناس، ليضرب أعناق القوم.

فصاح به الملّاح: أيّها الأستاذ- وكذا كان يخاطب، وهو رسم لكلّ من يتقلّد رئاسة الشرطة ببغداد- بوقوفك بين يدي الله، أدعني، واسمع منّي كلامي، فلست من اللصوص الذين أخرجتهم، وأمرت بصلبهم، وأنا مظلوم، وقد وقعت بي حيلة.

فأنزله، وقال له: ما قصّتك؟

فشرح له حديثه على حقيقته.

فدعا بنا، وقال: ما هذا الرجل؟

فقلنا: ما نعرف ما يقول، سلّمت إلينا عشرين رجلا، وهؤلاء عشرون رجلا.

فقال: قد أخذتم من أحد اللصوص دراهم، وأطلقتموه، واعترضتم هذا، من الطريق، رجلا، غريبا، بريئا، فأخذتموه.

فقلنا: ما فعلنا هذا، اللصّ الذي سلّمته إلينا، هو هذا.

فضرب أعناق الجماعة، وترك الملّاح، وقال: هاتم السجّانين، والبوّابين.

فجاءوا، فقال لهم: هذا من جملة العشرين الذين أخذناهم؟

فتأمّلوه، بأجمعهم، وقالوا: لا.

ففكّر ساعة، ثم أمر بإطلاقه.

ثم قال: هاتموه إليّ، فرددناه.

فقال: اشرح لي قصّتك، فأعاد عليه الحديث.

فقال له: في نصف الليل، أيّ شيء كنت تعمل هناك، في ذلك الموضع؟

فقال: كنت قد بتّ في سماريّتي، فأخذتني بولة، فصعدت أبول.

قال: ففكّر ساعة، ثم قال له: اصدقني على الحقيقة، حتى أطلقك، أيّ شيء كنت تعمل هناك؟

فلم يخبره بغير ذلك.

قال: وكان من رسمه، إذا أراد أن يقرّر إنسانا، قرّره وهو قائم بين نفسين، ووراءه جماعة بمقارع، فإذا حكّ رأسه، ضرب المقرّر، واحدة جيّدة عظيمة، فيقول للذي ضربه: قطع الله يدك ورجلك، يا فاعل، يا صانع، من أمرك بضربه؟ ولم ضربته؟ تقدّم يا هذا، لا بأس عليك، أصدق، فقد نجوت.

فإن أقرّ، وإلا حكّ رأسه ثانية، وثالثة، أبدا على هذا، وكذا كانت عادته في جميع الجناة، وهو رسم له معروف، عند المتصرفين بحضرته.

قال: فلما أطال عليه الملّاح، حكّ رأسه، فضرب قفاه بعض القائمين، بمقرعة ضربة عظيمة.

فصاح الملّاح.

فقال الأبزاعجيّ: من أمرك بهذا، يا فاعل، يا صانع، قطع الله يديك.

ثم قال للملّاح: اصدق، وانج بنفسك.

فقال له الملّاح: أيّها الأستاذ، الله شاهد عليك، أنّي آمن على نفسي وأعضائي، حين أصدق؟

فقال له: نعم.

قال: أنا رجل ملّاح، أعمل في المشرعة الفلانية، يعرفني جيراني بالستر، وقد كنت سرّحت سماريّتي، إلى سوق الثلاثاء، البارحة بعد

العتمة، أتفرّج في القمر، فنزل خادم من دار لا أعرفها.

فصاح: يا ملّاح؟

فقدّمت.

فسلّم إليّ امرأة، نظيفة، حسنة، ومعها صبيّتان، وأعطاني دراهم صحاحا، وقال: احمل هؤلاء إلى المشرعة الفلانية، بباب الشمّاسية.

فصعدت بهم قطعة من الطريق، فكشفت المرأة وجهها، فإذا هي من أحسن الناس وجها، كالقمر، فاشتهيتها، فعلّقت مجاذيفي في الكرك، وأخرجت السفينة إلى وسط دجلة، وتقدّمت إلى المرأة، فراودتها عن نفسها، فأخذت تصيح.

فقلت لها: والله، لئن صحت، لأغرقنّك الساعة.

فسكتت، وأخذت تمانعني عن نفسها، واجتهدت بأن أقدر عليها، فما قدرت.

فقلت لها: من هاتان الصبيتان منك؟

فقالت: بناتي.

فقلت لها: أيّما أحب إليك، تمكّنيني من نفسك، أو أغرق هذه؟

وقبضت على واحدة منهن.

فقالت: أمّا أنا، فلا أطيعك، اعمل ما شئت.

فرميت إحدى الصبيّتين في الماء، فصاحت، فضربت فاها، وصحت معها: والله لا أطلّقك ولو قتلتني، ليشتبه ذلك، على من عساه يسمع الصياح في الليل.

فسكتت، وأخذت تبكي، ثم تركتها ساعة، وقلت لها: دعيي أفعل بك وإلّا غرّقت الأخرى.

فقالت: والله، لا فعلت.

فأخذت الصّبية الأخرى، فرميت بها في الماء، فصاحت، وصحت معها، ثم قلت لها: ما بقي الآن إلا قتلك، فدعيني، وإلّا قتلتك، وأخذت بيدها، وشلتها لأرمي بها إلى الماء.

فقالت: أدعك.

فرددتها إلى السماريّة، فمكّنتني من نفسها، فوطئتها.

وسرت، لأمضي بها إلى المشرعة، فقلت في نفسي: هذه الساعة تصعد إلى دارها، أو إلى الموضع الذي تأوي إليه، فتنذر بي، فأؤخذ، وأقتل، وليس الوجه إلّا تغريقها، فجمعت يديها، ورجليها، ورميت بها إلى الماء.

فحين غرقت، فكّرت فيما ارتكبته، وعظم ما جنيته، فندمت، وكنت كرجل كان سكرانا، فأفاق.

فقلت: أيّ شيء أعمل؟ ليس إلّا أن أنحدر إلى البصرة، وأغوص في أنهارها، فلا أعرف.

فانحدرت، فلما صرت حذاء الجسر، أخذتني بطني، وقلت: أصعد، وأتفسّح، وأعود إلى سماريّتي.

فصعدت، فأنا جالس أتغوّط، فما أحسست حتى قبض هؤلاء عليّ.

قال: فقال له الأبزاعجي، مطايبا: يا هذا، أيّ معاملة بين مثلك وبيني، انصرف بسلام.

فظنّ لجهله، أنّ ذلك حقيقة، فولّى لينصرف.

فصاح به، وقال: يا فتى، هوذا تنصرف، وتدعنا من حقّا؟ فلا

أقلّ من أن ترجع لنحلّفك، أنّك لا تعود إلى مثل هذا.

فرجع.

فقال: خذوه، فأخذوه.

فقال: اقطعوا يده.

فقال: يا سيّدي، أليس قد أمنتني؟

فقال: يا كلب، وأيّ أمان لمثلك؟ قد قتلت ثلاثة أنفس، وزنيت، وأخفت السبيل.

قال: فقطعت يداه، ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرق جسده بالنار في مكانه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.