تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره

حدثني أبو محمد، يحيى بن محمد بن فهد، قال: حدّثني بعض المشايخ:

إنّ القاسم بن عبيد الله، كان يخاف المعتضد، ويخفي شربه، ولعبه، لئلّا يتصوّره بصورة حدث، متوفّر على لذّاته، يخلّ بالعمل، فيفسد رأيه فيه، وكان مع ذلك، بالشباب، والحداثة، يشتهي اللعب، فإذا أمكنه أن يخفيه جدّا، استرق الليلة، أو اليوم، من عمره، فشرب.

قال: فأراد الشراب ليلة من الليالي، على الورد، فاحتال في جمع شيء كثير منه، وحصله خفيّا، وجمع من المغنّيات جمعا كثيرا، وفيهن واحدة كان يشتهيها، ويتحظّاها.

وجلس وليس معه غيرهنّ، فشرب، وخلط بالورد الدراهم الخفاف، ونثر عليه، والناس يسمون ذلك «شاذكلى»، ولبس ثياب قصب مصبّغات، من ثياب النساء، وأدخل تلك المغنّية معه، لشدّة شغفه بها، ومضت ليلة طيّبة، فقطع الشرب في نصف الليل، خوفا من الخمار، ونام.

وركب إلى المعتضد من غد، وأقام في الخدمة، إلى حين وقت انصرافه.

فلمّا أراد الانصراف، دخل ليراه المعتضد، وينصرف، فاستدناه المعتضد، إلى أن صار بحيث لا يسمع كلامه غيره، فقال له: يا قاسم

لو دعوتنا البارحة، فكنا نلعب معك شاذكلى، ولكنّك احتشمت، لأجل المصبّغات التي لبستها أنت وعشيقتك.

قال: فكاد القاسم أن يموت جزعا.

فقال له: ما لك قد جزعت؟ وأيّ شيء في هذا؟ لو علمنا أنّه يلحقك هذا، ما أخبرناك بشيء، ولا آذيت قلبك، امض في ودائع الله.

قال: فعاد القاسم إلى داره كئيبا، وجمع نصحاءه، وأخبرهم الخبر، وقال: ما أراد المعتضد بهذا، إلّا ليعرّفني أنّ هذا القدر من أخباري ليس يخفى عليه، وإن كان على الحقيقة قد علم هذا القدر، فكيف تخفى عليه مرافقي، وما هو أظهر من هذا من أخباري؟ وكيف يكون عيشي؟

وانّه لا ينستر عليه مثل هذا؟ وما تروني أصنع؟

فأخذوا يطيّبون قلبه، ولا يزداد إلّا جزعا، إلى أن قال لهم: إن لم أعرف من رقى هذا الخبر، انشقّت مرارتي، وقتلت نفسي.

فقالوا له: نحن نبحث ونتعرّف.

فابتدر أحدهم، وقال: أنا أكفيك، أيّها الأمير، هذا.

قال: وجعل ذلك الصاحب، يطوف حوالي دار الخليفة، ليجد من يشبه صاحب خبر، فيخمّن عليه، فما ظفر بشيء يومه ذلك.

فلما كان من الغد، طاف الدواوين، ومجالس أصحاب البريد والخبر، يومه أجمع، فما ظفر بشيء.

فلما كان اليوم الثالث، طاف دار الوزارة، ومقاصيرها، فلم يظفر بشيء.

فلما كان في اليوم الرابع، وقف على دابّته في باب العامّة، متحيّرا، لا يدري، ينتظر أن يخرج الوزير راكبا، فيركب معه في الموكب، فيتفقّد الوجوه، إذ كان لم يبق له شيء يجده، وإذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة، كما يكون الزّمن الذي يتصدّق، وقد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير، فزحف، ودخل على البوّابين، فلم يمنعوه.

قال الرجل: فحين بلغ العتبة، وقف مع البوّابين، يحدّثهم ساعة، وأنا أصغي إليه، ويسألهم عن أخبارهم، ويدعو لهم، وهم على بشاشة، إلى أن أخذ بهم في غير ذلك الحديث.

إلى أن قال: من بكّر اليوم إلى الدواوين، ومن دخل؟ ومن حجب؟

فقالوا له: فلان وفلان.

فحين سمعت ذلك، علمت أنّه صاحب خبر، فأتبعته بصري، إلى أن جاز البوّابين، ودخلت وراءه، فبلغ إلى أصحاب الستور، فكانت صورته معهم كصورته مع أولئك، فأخبروه بما لم أكن أعلم، مع اختصاصي بخدمة الوزير، من وصول الناس إليه، وحجبهم عنه.

وتجاوز إلى دهليز العامّة، فنزلت عن دابّتي، وهو لا يفطن لي، فبلغ إلى موضع الحجّاب، فولع به الحجّاب، ولم يحدّثهم بشيء ولم يحدّثوه، ودعا لهم، وتصدّق منهم، فأعطوه.

فتجاوزهم إلى الصحن، وأنا أراه، فلم يزل يحبو، ويطوف، على خزانة، خزانة، من خزائن الفرش، والشرب، والكسوة، وحجر الغلمان، والخدم، ويبحث عن الأخبار، ويحدّث بكل شيء، وأنا أسمع، حتى استفدت ما لم أكن أعرفه من تخبّر دار الوزير.

ثم جاء إلى باب الحرم، فدعا للخادم الموكّل بالباب، فتصدّق عليه، وأعطاه، وجلس هناك يتطايب، وكلّ من دخل وخرج، من جارية، أو خادم، يسأله عن خبره، ويولع به، ويهب له شيئا، ويستخرجهم أخبار الدار، وينقل ما فيه، ويقول: قولوا لستّنا فلانة تهب لي ما وعدتني به، وقولوا لستي فلانة، تتصدّق عليّ، وسلوا ستّي القهرمانة الفلانية عن خبرها، وأقرؤوها سلامي، وأنا أشاهده، وأتعجّب منه، حتى استنفذ من أخبار جواري القاسم، ومبيته، وعند من بات منهم البارحة، وما بين الجواري من السرور والأنس، وأخبار كسوتهم، وأشياء من هذا الجنس، كلّ شيء طريف.

ثم زحف، ودخل دار الخلوة التي يخلو فيها الوزير، وكان يركب منها، فهشّ به فرّاشو الحجرة، والخاصة، والخدم، والغلمان الأصاغر، وضاحكوه، ودعا لهم، وأخذ من بعضهم برّا، وسألهم عن خبر الوزير في خلوته تلك، وشربه.

وقال له بعضهم: هو مغموم غمّا شديدا منذ يومين، لا نعرف سببه، فما يشرب، ولا يأكل، ولا نام، ولا خلا.

وكلّ ذلك، وهو يظهر في مسائلته التطايب، وأنّه كالمتغيّر المعتوه، ويحمل أولئك ألفاظه على هذا، فيخبره منهم الضعيف العقل، والمزّاح، والأخرق، وهو يحتمله، إلى أن فرغ من أهل حجرة الخلوة.

ثم خرج، فزحف أشدّ زحف، على هيأته، لا يعرّج على شيء، حتى

جاء إلى مجلس الكاتب، فأقام هناك طويلا، ففعل كفعله.

ثم خرج من الباب، وقد ملأ زنبيلا كان معه، من الخبز والحلوى والطعام، وملأ جيبه من الدراهم.

فلما صار على باب الدار، قلت للبوّابين: تعرفون هذا؟

فقالوا: رجل زمن أبله، يجيء فيتصدّق، وخلقه طيب، فكلّ من في الدار، يستطيبه، ويبرّه.

قلت: قد رحمته، واشتهيت آخذ له شيئا، ففيكم من يعرف بيته؟

فقالوا: لا.

فركبت، واتّبعته، ولحقت به، ووقفت كأنّني أحدّث غلامي، وأسير خلفه على تؤدة، حتى جاء إلى الجسر، فعبره زحفا، وأنا وراءه، ودخل الخلد، ودخلت معه، وولج في خان، فقلت لغلامي: اتبعه، فاعرف بيته في الخان، ففعل، وعاد إليّ، فوصفه لي.

فوقفت متحيرا، لا أدري ما أعمل، ولا من أسأل عنه، وأخاف أن أنفّره، فيهرب.

وطال وقوفي، وهممت بالانصراف، فإذا به قد خرج بريئا، نظيفا، بثياب مرويّة ولحية بيضاء، وطيلسان، وعمامة قد جعلها فوق حاجبيه، فلولا قرب عهدي به، وبرؤيته، لما عرفته، وإذا هو يمشي لا قلبة به.

فتأمّلت لحيته، وإذا هي ملبّسة فوق لحيته، وقد أخفاها بعمامته، وإنّما فطنت لذلك، لشدّة تأمّله، وصرف اهتمامي إلى ذلك، مع قرب عهدي برؤيته.

ومشى، فدخلت إلى مسجد، وغيّرت عمامتي، وأمرت غلامي أن يأخذ دابّتي ويقف لي عند الجسر بها، ونزعت خفّي، ولبست تمشك غلامي، ومشيت، فاتّبعته، بسرعة مشيته.

ومضى حتى أتى دار ابن طاهر، فخرج إليه الخادم، فما منهما من كلّم صاحبه، بأكثر من أنّه أخرج رقعة لطيفة، فسلّمها إلى الخادم، ودخل الخادم، ورجع هو، فلم أتبعه، وامتددت إلى درجة يعقوب، فركبت في سميرية، وصعدت إلى دار الوزير.

فدخلت إليه، وهو يطلبني للأكل، فأكلت معه، وقام الناس، فجلست.

فقال لي: قل.

فقلت: فعلت البارحة كذا وكذا، وجرى في دار حرمك كذا، وقالت فلانة كذا، وقالت جاريتك الفلانية وخاطبتك بكذا، وفلان الخادم الصغير فعل كذا.

قال: وكنت قد سمعت في خلال ذلك، أخبار الحاشية، بعضهم من بعض، لا أظن صاحب الخبر عرفها، ولكن كما أنجرّت الأحاديث، فأخبرته بذلك كلّه.

فقال لي: ويحك، أيش تقول؟ من أين لك هذه الأحاديث؟

فقلت: من حيث خرج حديث الشاذكلى.

فقال: أخبرني.

فقلت: الجائزة.

فقال: احتكم.

فأخبرته بخبر الزمن، على جهته.

فجذبني، وقبّل بين عينيّ، وأمر لي بمال جليل.

وقال: أريد أن تحصّله، من حيث لا يعرف خبره.

فقلت: أنا على ذلك، فتقدّم إلى بعض الغلمان الخاصّة، أن يطيعني، فجمع بيني وبين غلام منهم، وتقدّم إليه بذلك.

فلما كان من الغد، باكرت الدار، وجلست أنتظر الرجل، فإذا به قد جاء على زيّ أمس، في البزّة والزمانة، ودخل، فلم أعرض له، حتى دخل حجرة الخلوة، فاتّبعته.

وقلت للغلام: خذ هذا، فأخذه، وقفلنا عليه بابا من الحجرة، فاضطرب، وبكى.

ونزل الوزير، فأسررت إليه الخبر، ففضّ شغله، ودخل الحجرة، واستدعى به، فجاء يزحف، فوكزت عنقه، وقلت له: قم يا عاضّ، فامش مشيا صحيحا، كما رأيتك تمشي بالأمس.

فقال: أنا رجل زمن.

فأحضرت له مقارع، فلما رأى المصدوقة، قام، فمشى.

فقال له القاسم: اصدقني عن خبرك، وإلّا قتلتك الساعة.

فقال: أنا صاحب خبر المعتضد عليك، منذ كذا وكذا شهرا، أفعل كذا، وأصنع كذا، وذكر مثل ما أخبرته به، وأنّه يجمع الأخبار، ويكتب بها في كلّ نصف نهار، من كلّ يوم، ويوصل رقعة لطيفة بذلك إلى الخادم

الموكّل بدار ابن طاهر، فيمضي بها ذلك الخادم إلى المعتضد، فإنّ الخادم، هو الواسطة بينهما، وإنّه إذا كان في رأس كل شهر، سلّم إليه الخادم ثلاثين دينارا عينا.

قال: فعرّفني، أيّ شيء أنهيت من أخباري، طول هذه المدة؟

فذكر له أشياء كثيرة، منها خبر الشاذكلى.

فحبسه القاسم في ذلك البيت، فلما كان في الليل قتل، ودفن، فانقطع خبره عن المعتضد.

فلما كان بعد شهر، وأكثر، قال لي القاسم: استرحت من ذلك الكلب، ما أرى عند المعتضد من خبري شيئا، ولا أرى عليه أثرا يدلّ على وقوفه على شيء من أمري.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.