من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف
حدّثني أبو الحسين، قال: كنّا في مجلس حامد بن العباس، وهو وزير، وكان يتحدّث في مجلس العمل كثيرا، فسمعته يحكي، قال: قال لي صاعد ابن مخلد:
لما قلّدني الموفّق وزارته، شرطت عليه، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن وهب، وعبيد الله ابنه، ولا أطالبهما، ولا أنظر إليهما في مال، ولا وديعة.
وقلت للموفّق: سليمان اصطنعني، ورفع حالي، وصرّفني، وما دخل قط لي في مكروه، ولا دخلت لهما في مثله.
ولم أجب إلى التقليد، حتى صافحني أن لا يلزمني ذلك.
فلما تقلّدت، وخلع عليّ، خاطبني في أمرهم بعد أيّام، وذكر ضيق المال إلّا من جهتهم، فقلت: الشرط أملك، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتبا، وتدبّره بنفسك، وبمن ترى من حاشيتك.
فعاودني دفعات، وأنا ممتنع، حتى مضى شهر من تقلّدي.
فلما رآني على هذه الحال، راسل سليمان، وقال له: إنّ صاعدا غرّني من نفسه، وضمن لي القيام بالأمور، وقد بلح، وليس يذهب ولا يجيء، وهو عدوّك وعدوّ ابنك، وهو سعى بكما، فاضمنه منّي، واذكر لي ما عليه من الأموال، وما في جيبه، ومعايبه، والحجج، والتطرّق عليه وعلى أملاكه.
وكان سليمان محنكا، مجرّبا، فأعاد الجواب على الرسالة، بأنّي إن كنت موثوقا بي، فلا تحتاج إلى ضماني، لأنّي أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه حق للأمير، إن أعادني إلى خدمته.
ودافع عن كتابة الرقعة، وعلم أنّها حيلة عليه، لا متناعي عن مكروهه، حتى يجعل الرقعة حجّة عليه عندي.
فأنفذ الموفّق، إلى عبيد الله، مثل هذه الرسالة، واستكتمه ذلك عن أبيه، فكتب عبيد الله، رقعة طويلة، يسعى عليّ فيها، أقبح سعاية، ويضمني بمال جليل، ويثلبني، وينكّل بي.
فلما وصلت إلى الموفّق، احتفظ بها، وغدوت عليه، فخاطبني في تسلّمهم، ومطالبتهم، فاستعفيت، وأقمت على الامتناع.
فقال: اقرأ هذه الرقعة، فلما قرأتها، ولم يكن عندي- إذ ذاك- علم كيف جرت الصورة، وإنّما انكشفت لي بعد ذلك المجلس، قامت قيامتي، وخفت على نفسي، من معاجلة الموفّق، متى لم أعاجلهم، ولم أشكّ أنّ ذلك القول صحيح من عبيد الله، وأنّ الموفق قد أنعم عليّ بإطلاعي عليه.
فاستجبت إلى تسلّمهم، وناظرتهم، وألزمتهم الأموال العظيمة، واستمرّت النكبة عليهم.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع