تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

رعونة عبيد الله بن سليمان جرت النكبة عليه وعلى أبيه

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا جماعة من شيوخ الكتّاب، منهم عليّ بن عيسى، والباقطائي، وغيرهما، قالوا: حدّثنا عبيد الله بن سليمان، قال:

لما أضاق المعتمد بسرّ من رأى، وأمره- إذ ذاك- نافذ، ومعه قطعة من الجيش، وكان سليمان بن وهب وزيره، والموفّق بواسط، وعبيد الله ابن سليمان كاتبه، طلب المعتمد من سليمان، مالا يحتاله، لداره، وحرمه، وخاص نفقته، لا يعلم به الجند، فدافعه بذلك، فقبض عليه، وقال له:

قد تقلّدت منذ أيّام المعتز، إلى الآن، أعمالا متوالية، منها الوزارة للمهتدي، ومرّة الجبل، وغير ذلك، وما نكبت، ولا صودرت، وأريد منك خمسمائة ألف دينار.

قال: وورد عليّ الخبر، فلشدة محبتي لخلاص أبي، ما جنيت عليه جناية عظيمة، بأن صرت إلى الموفّق، فقلت له: لم يقدم المعتمد على أبي إلّا لبغضه لك، وليس يحقد علينا إلّا تمشية أمرك، واجتذاب الجيش إليك.

فوعدني بتخليص أبي، على مهل.

فقلت: إن أخّرت الأمر، أسرع إلى مكروهه، وإزالة نعمته.

فقال: ما تريد؟

فقلت: تخرج بمن معك، فتنتزعه من يده قسرا.

فقال: هذا يحتاج إلى مال ورجال، وهو خليفة على كل حال، ولا أحسب الرجال يطاوعوني على حربه.

فقلت له: عليّ المال والرجال.

فقال: دعني، حتى أفكّر.

قال: ودافعني، واعتقد فيّ أقبح اعتقاد، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال، في قتال خليفته، ويمكنه من المال، من عنده، ومن حيلته، ما يرضي به الجيش.

فلما عاودته، قال: يجب أن نقدّم المراسلة بيننا وبينه، فإن أنجعت، وإلّا كانت الحرب.

فاخترنا للرسال، صاعد بن مخلد، وهو إذ ذاك، من جلّة أصحاب الدواوين.

فاستدعاه الموفّق إلى حضرته من سرّ من رأى، فصار إليه، وحمّله رسالة إلى المعتمد.

فمضى، وأدّاها، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه، وأشار على المعتمد بإطلاق أبي عاجلا، وضمن له إفساد رأي الموفّق فيه، وفيّ، حتى يقبض علينا.

فأقام أبي عند الموفّق، والوزارة إليه، فدبّر أمر الموفّق، ثم عاد صاعد فشرع مع الموفق في الأمر، وأنفذ المعتمد ثقاته سرّا إلى الموفق، بما لقّنه صاعد، ولم يزل ينسج الأمر، حتى تمت النكبة علينا.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.