من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حدة طبع أبي العباس بن الفرات
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن، قال:
كنت أخطّ بين يدي أبي العباس بن الفرات، في أوّل وزارة عبيد الله ابن سليمان، وأتحقّق به، لأن أبي اصطنع أباه، وكنت أشرب معه.
فكنّا ليلة على شراب، وقد جرت الأحاديث، فحدّثنا بأخبار عدة من الكتّاب والوزراء، كانت فيهم حدّة.
وقال: كان أحمد بن الخصيب، يركل المتظلّمين.
وكان أبو عبّاد ثابت بن يحيى، يضربهم بالمقرعة، إذا كان راكبا.
وكان أحمد بن أبي خالد، يشتمهم.
وعدّ جماعة، قال: وكان في أبي العباس، حدّة، وسفه لسان، فسمعنا ذلك منه، ولم نقدم على مواقفته.
فلما كان من غد، ركب وأنا معه، في السحر، فلقيه في الطريق، أهل سمطيا، يتظلّمون من عاملهم، في شيء ذكروه، فصاح عليهم، وشتمهم.
فتقدّم إليه أحدهم، فألحّ عليه في الكلام، فرفسه برجله في الركاب، وقنّعه بالمقرعة، وبصق عليه.
فذكرت الحديث الذي حدّثنا به من ليلته، فضحكت.
فسمع قهقهتي، فالتفت مبتسما، وقال: من أيّ شيء ضحكت يا عيّار؟
فقلت: زدتنا نتفة يا سيّدي في ذلك الحديث الذي جرى البارحة.
فقال: أو قد حفظته؟
قلت: نعم.
قال: فقال لي سليمان بن الحسن: سمعت دفعات لا أحصيها، أبا العباس ابن الفرات، وقد احتدّ طبعه على قوم غضب عليهم، وكان يقول للواحد منهم: يا ابن مائة ألف كرّ خردل مضروبة في مائة ألف مثلها زواني، تشاغل بحساب هذا فهو أنفع لك.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع