تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سفه لسان حامد بن العباس

قال أبو الحسين: وما رأينا ولا سمعنا، برئيس أسفه لسانا، من حامد ابن العباس، فإنه كان لا يردّ لسانه عن أحد البتة، وكان إذا غضب شتم.

فمن ذلك: أنّ أبي حدّثني، أنّه كان بحضرته في مجلس حافل، فجاءت أمّ موسى القهرمانة، فقالت له: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أقول لك، في مجلس حفلك، أنّ ابن الفرات، كان يحمل إليّ خريطة في كلّ يوم فيها ألف دينار، وإلى السيدة عشرة آلاف دينار في الشهر، وإلى الأمراء والقهارمة، خمسة آلاف دينار في الشهر، وأنّك قد أخللت»

منذ أربعين يوما.

فقال لها في جواب ذلك: الساعة قد جئت حادّة محتدّة، تطالبيني بهذا؟

اضرطي والتقطي، واحذري لا تغلطي.

قال: فقامت خجلة، وكان ذلك أحد أسباب سقوطه عندهم، وغلبة عليّ بن عيسى على الأمور.

ومن ذلك: أنّه استحضر ابن عبد السلام العدل، يطالبه بوديعة، سعي بأنّها عنده لابن الفرات، وأنّ يحيى بن عبد الله الدقيقي، أبا زكريا، قرابة أم كلثوم، قهرمانة ابن الفرات، أودعه ذلك.

فجرى الخطاب بينهما في ذلك، وعليّ بن عيسى حاضر، والخلق من القضاة والأشراف والأولياء، وكنت فيهم، وأنا حدث مع أبي.

فقال له: هذا الدقيقي ابن البظراء، قرابة أم كلثوم العفلاء، تعرفه؟

فقال العدل: الوزير أعزّه الله، أعرف به مني.

ومن ذلك: أنّه قال لابن الحواريّ، في دار الخليفة، وأمّ موسى حاضرة، ليلة قدم من واسط ليتقلّد الوزارة، في حديث جرى بينهما:

قد نكت أمّه مرتين.

فقالت أمّ موسى: ويلي، أيّ شيء هذا؟

فاستحيا، وقال لابن الحواري: نحن في السواد، إذا غلبنا خصومنا، قلنا، قد نكنا أمّهاتهم.

ومنها: أنّه استحضر الوليد بن أحمد، ابن أخت الراسبي، ليصادره

بمصادرة قد ووقف عليها، عشية عيد أتى عليه في وزارته، ولم يشغله حضور الناس عنده للتهنئة بالعيد.

فأتي بالرجل بجبة صوف، فلما رآه علي بن عيسى، وكان حاضرا، قال:

إن رأى الوزير أن يخليني وإياه لأخاطبه، وأقوده إلى امتثال أمره.

فقال: افعل.

واستدعاه إليه، وجعل يسارّه، وكان عليّ بن عيسى، قريب المجلس من حامد، يسمع عليه ما يخاطبه به.

فسمع الوليد يحلف قليلا، قليلا، ما بقيت لي حيلة.

فقال لعليّ بن عيسى: يا أبا الحسن، تلومني الساعة، أن أنيك أمّ هذا؟

فقال علي بن عيسى: اللهم غفرا، أي والله، أيّ لوم.

قال: وكان ابن عبدوس الجهشياري، الذي ألّف كتاب الوزراء، قائما على رأس عليّ بن عيسى، لأنّه كان يحجب أبا الحسن، وكان أبوه من قبله مضموما إليه رئاسة الرجال، برسم عليّ بن عيسى الوزير، وكان يحجبه أيضا.

قال: فتنحّى ابن عبدوس من مكانه، وقال: لعن الله زمانا صرت أنت فيه وزيرا.

ومنها: أنّني سمعته، وقد اجتاز على باب دار كنّا ننزلها بشارع الكوفة، إذ ذاك، وأنا قائم على الباب، وقد اتّفق أن كلّمه في الموضع، قوم من أهالي بادوريا، في خراج النخل الشهريز، وأكثروا، وأنّهم يبيعون المائة رطل منه- وهي حمل نخلة- بدرهمين، وخراجها ثلاثة دراهم، وأنّهم يمنعون من قلعه، فإما أذن لهم في ذلك، وإمّا خفّف عنهم من الخراج.

قال: فصاح عليهم، وقال: ليس لي في هذا نظر، قد صار النظر في هذا وشبهه، إلى عليّ بن عيسى، فامضوا إليه.

قال: فانصرف القوم؛ وسار خمس خطى أو نحوها، ثم وقف، وقال:

ردّوهم، فردّهم الرجّالة.

فقال لهم: كأنّي بكم، تمضون إلى عليّ بن عيسى، وتقولون: قد أحالنا الوزير عليك، وأجابنا، وأمّي إن كنت أجبتكم إلى هذا زانية، وأمكم إن قلتم هذا زانية، وأمّ علي بن عيسى إن أجابكم إلى هذا زانية.

ثم سار متوجها إلى بستانه المعروف بالناعورة ليتنزه.

ومن ذلك: أنه كان يجتمع مع عليّ بن عيسى، في دار الخليفة، لما ضمن حامد في وزارته السواد، وصار عليّ بن عيسى مستوفيا عليه، ومطالبا له، فيتناظران في أمر المال، فيحتفيه. عليّ بن عيسى، بالحجّة، فيعدل هو به إلى السب والسفه، فيقول له عليّ بن عيسى: سلاما، سلاما.

يريد بذلك، قول الله تعالى: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ، قالُوا سَلاماً)

فلما كثر ذلك على حامد، قال له يوما عقيب سفه جرى عليه منه: كم تذكر سلامه الذي ينيك أختك أسماء؟

فقام عليّ بن عيسى، وقال: ما بعد هذا شيء، وتجنّب مخاطبته بعد ذلك.

وقال لعليّ بن عيسى مرة بحضرة المقتدر: أنا والله، نكت هذا مرتين، وهو أمرد.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.