من «بلاغات النساء» لابن طيفور (ت ٢٨٠هـ)
قصة أم معبد ووصفها النبي ﷺ
وبلاغتها في صفته حدثني عبد الله بن عمرو عن الحسن بن عثمان قال حدثني بشر بن محمد بن أبان بن مسلم قال حدثني عبد الملك بن وهب المذحجي الكوفي عن الحر بن التياح النخعي عن أبيه عن معبد الخزاعي أن رسول الله ﷺ لى الله عليه خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر ﵀ وعامر بن فهيرة وفي رواية أخرى قال وحدثنا مكرم بن محرز بن المهدي بن عبد الرحمن بن عمرو بن خويلد الخزاعي قال حدثني أبي محرز بن المهدي عن حزام بن هشام وحبيش عن أبيه هشام عن جده حبيش بن خالد صاحبالنبي ﷺ لى الله عليه أنه صلى الله عليه حين أخرج منها مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبي عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط فمروا على خيمة أم معبد الخزاعية وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الكعبة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحماً وثمراً ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله ﷺ لى الله عليه إلى شاة في كسر الخيمة فقال ما هذه يا أم معبد قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال هل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال أتأذنين لي أن أحلبها قالت بأبي وأمي أنت نعم إن رأيت بها من حلب فاحلبها فدعا رسول الله ﷺ لى الله عليه بالشاة فمسح ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت
ودعا بإناء يربص الرهط فحلب فيه ثجا حتى غلبه الثمال ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم وقال ساقي القوم آخرهم فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل ثم أراضوا ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حيلاً عجافاً هزالاً مخهن قليل ولا نقي بهن فلما رأى أبو معبد اللبن وقال من أين هذا يا أم معبد والشاة عازبة حيلها ولا حلوبة في البيت فقالت لا والله إلا أنه مر بنا رجلٌ مبارك كان من حديثه كيت وكيت قال صفيه لي يا أم معبد فقالت رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزريه صقلة وسيما قسيماً في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البها فهو أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كان منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة ولا تشنؤه من طول ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظراً وأحسنهم قداً له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند صلى الله عليه
قال أبو معبد هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولو كنت وافقته لالتمست صحبته ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً قال وأصبح صوت بمكة عالياً بين السماء والأرض يسمعون الصوت ولا يدرون من يقوله وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائهرفيقين قالا خيمة أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا بهففاز الذي أمسى رفيق محمد
فاليقصي ما زوى الله عنكمبه من فعال لا يجارى وسؤدده
ليهن بني كعب مقام فتاتهمومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائهافإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبتله عن صريح ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهناً لديها لحالبيرددها في مصدر ثم مورد
قال فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم صلى الله عليه وأخذوا على خيمة أم معبد حتى لحقواالنبي ﷺ فأجابه حسان بن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهموقدس من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهموحل على قومٍ بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهموأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوابهادٍ يقتدي به كل مهتدي
وقال ابن أبو سعد في روايته بكسا عمى وهداه يقتدي كل مقتدي " كذا ورد ":
وقد نزلت منه على أهل يثربركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى مالا يرى الناس حولهويتلو كتاب الله في كلِ مشهد
فإن قال في يوم مقالة غائبفتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جدهبصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بني سعد مقام فتاتهمومقعدها للمؤمنين بمرصد
سمعت محمد بن حبيب مولى بن هشام يذكر عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي قال قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ كيف لم يصف أحدالنبي ﷺ لى الله عليه كما وصفته أم معبد فقال لأن النساء يصفن الرجال بأهوائهن فيجدن في صفاتهن.
النص من طبعة مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة (١٣٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع