من «بلاغات النساء» لابن طيفور (ت ٢٨٠هـ)
كلام صفية بنت هشام المنقرية
حدثني أبو الحسن بن الأعرابي الكوفي قال حدثني أبو خالد يزيد بن يحيى الخزاعي عن محمد بن مسلمة عن أبيه قال توفى الأحنف في دار عبد الله بن أبي العصيفير بالكوفة وكان مصعب بن الزبير إذ ذاك أميراً على الكوفة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير قال فشيع مصعب بن الزبير جنازة الأحنف فخرج متسلباً في قميص بغير رداء وكانت الأمراء تفعل ذلك بالسيد إذا مات قال فلما دفن الأحنف أقبلت صفية بنت هشام المنقرية على نجيب لها متخصرة وكانت بنت عم الأحنف حتى وقفت على
قبره فقالت لله درك من مجن في جنن ومدرج في كفن إنا لله وإنا إليه راجعون جعل الله سبيل الخير سبيلك ودليل الرشد دليلك أما والذي أسأله أن يفسح لك في مدخلك وأن يبارك لك في محشرك والذي كنت من أجله في عدة ومن الكآبة في مدة ومن الأثرة إلى نهاية ومن الضمار إلى غاية لقد كنت صحيح الأديم منيع الحرم عظيم السلم فاضل الحلم واري الزناد رفيع العماد وإن كنت لمسوّدا وإلى الملوك لموفداً وفي المحافل شريفاً وعلى الأرامل عطوفاً وكانت الملوك لقولك مستمعين ولرأيك متبعين ولقد عشت حميداً ودوداً ومت شهيداً فقيداً ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت عباد الله إن أولياء الله في بلاده شهودٌ على عباده وإنّا لقائلون حقاً ومثنون صدقاً وهو أهل لطيب الثناء فعليه رحمة الله وبركاته وما مثله في الناس إلا كما قال الشاعر في قيس بن عاصم:
عليك سلام الله يا قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحما
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيانُ قومٍ تهدما
سلامُ امريءٍ أودعته منك نعمةإذا زار عن شحط بلادك سالما
قال فتعجب الناس من كلامها وقال فصحاؤهم تالله ما رأينا كاليوم قط ولا سمعنا أفصح ولا أبلغ من هذه قال فبعث إليها مصعب بن الزبير فخطبها إلى نفسه فأبت عليه فما زال يتعاهدها ببرّة حتى قتل " السجستاني " عن الأصمعي عن أبان بن تغلب قال أتيت المقابر فإذا أنا بصبية قد كادت تخفي بين قبرين لطافة وإذا هي تنظر بعين جؤذر فبينا هي كذلك إذ بدت لها كفان كأنهما لسان طائر بأطراف كأنها المداري وخضاب كأنه عنم ثم هبت الريح فرفعت عن برقعها فإذا بيضة نعام تحت أم رئال ثم قالت اللهم إنك لم تزل قبل كل شيء وأنت بعد كل شيء وقد خلقت
والديَّ قبلي وخلقتني بعدهما فآنستني بقربهما ما شئت ثم أوحشتني منهما إذ شئت اللهم فكن لي منهما مؤنساً وكن لي بعدهما حافظاً قال فقلت يا صبية أعيدي لفظك فلم تسمع ومرت في كلامها ثم أعدت عليها فنظرت ثم قالت يا شيخ والله ما أنا لك بمحرم فتحادثني محادثة أهلك أهلك أولى بك قال فاستخفيت بين القبور مستحياً مما قالت لي ثم سألت عنها فإذا هي أيم فأتيت صديقاً لي فقلت له هل لك في أن يلم الله شعثك ويقر عينك قال وما ذاك قال فوصفت له الجارية وما رأيت من عقلها وسمعت من كلامها فقلت له أبغض من مالك عشرة آلاف درهم فإني أرجو أن تكون أحمد ما لك عاقبة قال فقال قد فعلت فخرجنا جميعاً أنا وهو حتى أتينا الخباء فإذا نحن بعمها فعرضنا عليه ذلك فقال يا هؤلاء والله ما لنا في أمورنا ولا أنفسنا شيء معها فكيف فيها ولكن اعرضوا عليها ما وصفتم ثم دخل الخباء فقال ها هي ذه قد خرجت تسمع ما تقولون قال فجلست خلف سجف لها ثم قالت اللهم حي العصابة بالسلام واجزل لهم الثواب في دار المقام قل يا عم فأقبل عليها عمها فقال أي مفداة هذا عمك ونظير أبيك وقد خطبك علي ابن عمك نظيرك وقد بذل لك من الصداق عشرة آلاف درهم قال فأقبلت عليه فقالت يا عم أضرت بك الحاجة حتى طمعت طمعاً أخلّ بمرؤتك أتزوجني غلاماً حضرياً يغلبني بفطنته ويصول عليّ بمقدرته ويمنن عليّ بتفضله ويقول ياهنه بنت الهنة كلا إن الله واسعٌ كريم قال فرجعنا والله مدحوضي الحجة مردودين عن الحاجة " وقال الأصمعي " عن أبان بن تغلب قال سمعت امرأة توصي ابناً لها وأراد سفراً فقالت أي بني أوصيك بتقوى الله فإن قليله أجدى عليك من كثير عقلك وإياك والنمائم فإنها تورث الضغائن وتفرق بين المحبين ومثل لنفسك مثال ما تستحسن لغيرك ثم اتخذه إماماً وما تستقبح من غيرك فاجتنبه وإياك التعرض للعيوب فتصير نفسك
غرضاً وخليق أن لا يلبت الغرض على كثرة السهام وإياك والبخل بمالك والجود بدينك فقالت أعرابية معها أسألك إلا زدته يا فلانة في وصيتك قالت أي والله والعذر أقبح ما يعامل به الإخوان وكفى بالوفاء جامعاً لما تشتت من الإخاء ومن جمع الحلم والسخاء فقد استجاد الحلة والفجور أقبح حلة وأبقى عاراً " وقال " الأصمعي عن أبان بن تغلب قال أضللت إبلاً لي فخرجت في بغائها فإذا أنا بجارية أعشي أشرق وجهها بصري فقالت مالك يا عبد الله وما بغيتك قالت أضللت إبلاً لي فأنا في طلبها فقالت أدلك على من علمها عنده قلت إذا تستوجبي الأجر وتكتسبي الحمد والشكر فقالت سل الذي أعطاكهن فهو الذي أخذهن منك من طريق اليقين لا من طريق الاختبار فإنه إن شاء فعل قال فاعجبني ما رأيت من عقلها وسمعت من فصاحتها فقلت لها ألك بعل فقالت كان ونعم البعل كان فدعى إلى ماله خلق فأجاب فقلت لها فهل لك في بعل لا تذم خلائقه ولا تخاف بوائقه قال فأطرقت طويلاً ثم قالت:
كنا كغصنين في ساق غذاؤهماماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من أصل صاحبهدهر يكر بفرحات وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمنأن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضاً فعاجلهريب المنون قريباً مذ سنيات
فاصرف عتابك عمن ليس بردعهاعن الوفاء خلاب بالتحيات
النص من طبعة مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة (١٣٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع