تجاوز إلى المحتوى

من «بلاغات النساء» لابن طيفور (ت ٢٨٠هـ)

كلام آمنة بنت الشريد

قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الزهري وسهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قالا لما قتل عليّ بن أبي طالب ﵇ بعث معاوية في طلب شيعته فكان في من طلب عمر بن الحمق الخزاعي فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد فحبسها في سجن دمشق سنتين ثم أن عبد الرحمن بن الحكم ظفر بعمر بن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث برأسه إلى معاوية وهو أول رأس حمل في الإسلام فلما أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به إلى آمنة في السجن وقال للحرسي احفظ ما تكلم به حتى توديه إليّ واطرح الرأس في حجرها ففعل هذا فارتاعت له ساعة ثم وضعت يدها على رأسها وقالت واحزنا لصغره في دار هوان وضيق من ضيمه سلطان نفيتموه عني طويلاً وأهديتموه إليّ قتيلاً فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية وأنا له اليوم غير ناسية ارجع به أيها الرسول إلى معاوية فقل له ولا تطوه دونه أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت فأرسل إليها فأتته وعنده نفر فيهم إياس بن حسل أخو مالك بن حسل وكان في شدقيه نتوء عن فيه لعظم كان في لسانه وثقلٍ إذا تكلم فقال لها معاوية أأنت

يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني قالت نعم غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد وما بلغت شيئاً من جزائك وإن الله بالنقمة من ورائك فأعرض عنها معاوية فقال إياس اقتل هذه يا أمير المؤمنين فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها فالتفتت إليه فلما رأته ناتئ الشدقين ثقيل اللسان قالت تباً لك ويلك بين لحيتيك كجثمان الضفدع ثم أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين فضحك معاوية ثم قال لله درك أخرجي ثم لا أسمع بك في شيء من الشام قالت وأبي لأخرجن ثم لا تسمع لي في شيءٍ من الشام فما الشام لي بحبيب ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ولا أحن فيها إلى سكن ولقد عظم فيها ديتي وما قرت فيها عيني وما أنا فيها إليك بعائدة ولا حيث كنت بحامدة فأشار إليها ببنانه أخرجي فخرجت وهي تقول واعجبي لمعاوية يكف عني لسانه ويشير إلى الخروج ببنانه أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد سديد أوجع من نوافذ الحديد أو ما أنا بابنة الشريد فخرجت وتلقاها الأسود الهلالي وكان رجلاً أسود أصلع أسلع أصعل فسمعها وهي تقول ما تقول فقال لمن تعني هذه ألأمير المؤمنين تعني عليها لعنة الله فالتفتت إليه فلما رأته قالت خزياً لك وجدعاً أتلعنني واللعنة بين جنبيك وما بين قرنيك إلى قدميك اخسأ يا هامة الصعل ووجه الجعل فأذلل بك نصيراً وافلل بك ظهيراً فبهت الأسلع ينظر إليها ثم سأل عنها فأخبر فأقبل إليها معتذراً خوفاً من لسانها فقالت قد قبلت عذرك وإن تعد أعد ثم لا أستقيل ولا أراقب فيك فبلغ ذلك معاوية فقال زعمت يا أسلع أنك لا تواقف من يغلبك أما علمت أن حرارة المتبول ليست بمخالسة نوافذ الكلام عند مواقف الخصام أفلا تركت كلامها

قبل البصبصة منها والاعتذار إليها قال أي والله يا أمير المؤمنين لم أكن أرَ شيئاً من النساء يبلغ من معاضيل الكلام ما بلغت هذه المرأة جالستها فإذا هي تحمل قلباً شديداً ولساناً حديداً وجواباً عتيداً وهالتني رعباً وأوسعتني سباً ثم التفت معاوية إلى عبيد بن أوس فقال ابعث لها ما تقطع به عنا لسانها وتقضي به ما ذكرت من دينها وتخف به إلى بلادها وقال اللهم اكفني شر لسانها فلما أتاها الرسول بما أمر به معاوية قالت يا عجبي لمعاوية يقتل زوجي ويبعث إليّ بالجوائز فليت أبي كرب سد عني حره صله خذ من الرضعة ما عليها فأخذت ذلك وخرجت تريد الجزيرة فمرت بحمص فقتلها الطاعون فبلغ ذلك الأسلع فأقبل إلى معاوية كالمبشر لهه فقال افرخ روعك يا أمير المؤمنين قد استجيبت دعوتك في ابنة الشريد وقد كفيت شر لسانها قال وكيف ذلك قال مرت بحمص فقتلها الطاعون فقال له معاوية فنفسك فبشر بما أحببت فإن موتها لم يكن على أحد أروح منه عليك ولعمري ما انتصفت منها حين أفرغت عليك شؤبوباً وبيلاً فقال الأسلع ما أصابني من حرارة لسانها شيء إلا وقد أصابك مثله أو أشد منه.

النص من طبعة مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة (١٣٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «بلاغات النساء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.