تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

فصل من صدر كتابه في المعلمين (٢)

الصفحة ١ من ٢

ولو كان هذا ذنباً كنت شريكي فيه، ولو كان تقصيراً لكنت سببي إليه، لأن دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو الشائع والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة، ويذهبان بالتحفظ؛ ولذلك قال عيينة بن حصن لعثمان بن عفان: " عمر كان خيراً لي منك، أرهبني فاتقاني، وأعطاني فأغناني ".

فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترىء عليك إلا بك؛ وإن كنت أخطأت فلم أخطىء عليك إلا لك؛ لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب إلى قلة التحفظ، وداعية إلى ترك التحرز.

وبعد فمن وهب الكبير كيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو؟! ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدري هو الذي شفع لي. ولو استحققت عقابك بإقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك.

على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالإنصاف. ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل؛ والحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر.

وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في النعمة.

فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وعد إلى حسن العادة. وإن لم تفعل ذلك لحسن العادة فائت ما أنت أهله.

واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضي لي عليك، ومتى ارتفعنا إلى عدلك حسن العفو عني عندك.

وفصل ما بيننا وبينك، وفرق ما بين أقدارنا وقدرك، أنا نسيء وتغفر، ونذنب وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتعلم؛ وأن عليك الإنعام وعليك الشكر. ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف.

وإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلاً، والتعرض لعقابك بالخوف حقاً، ورغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، وصرت كمن يشفي غيظاً أو يداوي حقداً، أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة.

ولم نجدهم - أبقاك الله - يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ويذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل.

وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله. وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك؟ فلم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح؟ ولم تكدها بالمناقشة ومذهبها المسامحة؟

سبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك، وفعلك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا، وفراستك أثقب من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من عقاب الظلمة.

وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، وتتغافل عن المناوي وتصفح عن المتهاون حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته خلاص، وهفوته بكر، وشفاعته الحرمة ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، ولا يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك صرت تتوعده بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة.

وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من

العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك.

وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن، ولا شفيع أنا به أوثق، من شدة جزعي من عتبك، وإفراط هلعي من خوفك. ولست ممن إذا جاد بالصفح ومن بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة والنجاة من الهلكة. بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة، والعطايا الجزيلة، والعز في العشيرة، والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب الذكر وشرف العقب، ومحبة الناس.

وأما ذكرى القد والخرط، والطول والعرض، وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع، والتشاجر والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد وهو مزاح.

ولو استعمل الناس الدماثة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان

الشر صراحاً خيراً لهم، والباطل محضاً أرد عليهم. ولكن لكل شيء قدر، ولكل حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه. وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط.

فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه. فأما أن يذم حتى يكون كالظلم، وينفى حتى يصير كالغدر فلا؛ لأن المزاح مما يكون مرة حسناً ومرة قبيحاً. فإذا صرنا إلى الجد، ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح، وجلسنا للحكم، فقد أغناك الله تعالى عن الحجة، كما سلمك من الشبهة، ولم نكلفك الاحتجاج كما نرغب بك من الاعتلال، فأصبحت لا محتجاً ولا محجوجاً، ولا غفلاً ولا موسوماً، ولا ملوماً ولا معذوراً، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى الائتلاف.

وليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة.

وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل يرد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة.

وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم، أو مجار في الحلم، أو ضد في العزم؟ وهل يبلغك الحسد أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك، وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل للطلاب غاية سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للماتح رجز إلا فيك، وهل يحدو الحادي إلا بك؟ ولولا أن يأخذ الواصف لك بنصيبه منك، وبحصته من الصدق،

وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغواً، ولكان تكلفه فضلاً.

ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يهجى بالتسليم، ولم نعد إقراره إحساناً، وخضوعه إنصافاً؟ وهل تقع الأبصار إلا عليك، وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟ وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئاً أو يفوقه شيء؟ أو يقال: لو لم يكن كذا لكان أحسن، أو لو كان كذا لكان أتم؟ وأين الحسن الخالص والجمال الفائق، والملح المحض والحلاوة التي لا تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك، أو عندك، أو لك أو معك؟ لا بل أين الحسن المصمت والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور والفضل المشهور، إلا لك وفيك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر

من شخصه، وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه؟ ولربما رأيت الرجل حسناً جميلاً، وحلواً مليحاً، وعتيقاً رشيقاً، وفخماً نبيلاً، ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا معتدل الأجزاء.

وقد تكون أيضاً الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ويكون قصداً، ومقداراً عدلاً، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي.

فأما الوزن المتحقق، والتعديل الصحيح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جادبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام.

وكذا الحسن إذا كان حراً مرسلاً، وعتيقاً مطلقاً، لا يتحكم

عليه الدهر، ولا يذبله الزمان، ولا يحتاج إلى تعليق التمائم، ولا إلى الصون والكن، ولا إلى المنقاش والكحل.

ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلاً، وحبب إلى القلوب تحبيباً، وقرب إلى النفوس تقريباً، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء، وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السمر ولا الوهم، ولا السرور الشديد، ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة، والفضيلة البينة.

ولو لم يكن لك إلا أننا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف والمدحة: لهو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس، وأبهى من الغيث، وأحسن من يوم الحلية؛ وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأن عنقه إبريق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد، وكأن فاه خاتم، وكأن

جبينه هلال. ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعاً من الهواء، ولهو أمضى من السيل، وأهدى من النجم لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين.

وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والمثل في كل شكل. وأما قول الشاعر:

يزيدك وجهه حسناًإذا ما زدته نظرا
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «دع الرسم الذي دثرا»

وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس، غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب صنعة لم نقف عليها. وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد أجزائه في تنضيد الأجزاء؟ فإن ذلك معنىً مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي في مدحك.

والجملة التي تنفي الجدال، وتقطع القيل والقال، أني لم أرك قط إلا ذكرت الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك! إلا ذكرت النار! ولا تعجب أيها السامع واعلم أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني فيما يجب له مفرط.

هو رجل طينته حرة، وعرقه كريم، ومغرسه طيب، ومنشأه

محمود، غذي في النعمة، وعاش في الغبطة، وأرهقه التأديب، ولطفه طول التفكير، وخامره الأدب، وجرى فيه ماء الحياء.

فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته، وآخره كأوله، تحكي اختياراته التوفيق، ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف، ويرغب عن التجوز، وينبل عن ترك الإنصاف. لا تمتنع عليه معرفة المبهم، ولا يلحج باستبانة المشكل، ولا يعرف الشك إلا في غيره، ولا العي إلا سماعاً.

فمن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك. وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغنى بمدحك، ولا فتاة إلا تشكو تباريح حبك، ولا محجوبة

إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقي بك.

فكم من كبد حرى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم حشاً خافق وقلب هائم، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية؟ وكم عبرى مولهة وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها الحزن، وأجمد عينها الكمد، واستبدلت بالحلي العطلة وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ضاحك؛ وبعد أن كانت ناراً تتوقد وشعلة تتوهج.

وليس حسنك - أبقاك الله - الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم،

أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتحير، أو ينهنهه زجر، أو يفيده خوف. هو - أبقاك الله - شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية، ويطوح بالعزاء، وينسى معه العواقب.

ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن الحجاج، ولركبك بأعظم مما ركب جعدة السلمى. بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما.

فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم.

وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أو إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها.

وكما أصبحنا وما ندري: آلكأس التي في يدك أجمل أم القلم، أم الرمح الذي تحمله أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ وكما أصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، أم أيها أجمل وأشكل: آللمة أم مخط اللحية، أم الإكليل أم العصابة، أم العمامة أم القناع أم القلنسوة؟

وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد

الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر عظيم، أو ركاب طرف كريم.

وأما فوك فهو الذي لا ندري: أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل: الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟ وعلى أننا لا ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى. أقلمك أبلغ أم خطك، أم لفظك؟ أم إشارتك أم عقدك؟ وأنت في ذلك فوقهم - والحمد لله - وواحدهم، وأعيذك بالله تعالى.

وقد علمنا أن القمر، وهو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، يبدو مع ذلك ضئيلاً ونضواً، ويظهر معوجاً شختاً وأنت أبداً قمر بدر، وفخم غمر.

ثم مع ذلك يخرق في السرار، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحساً كما يكون سعداً، ويكون ضراً كما يكون نفعاً، ويقرض

الكتان، ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه.

وعلى أنه محق حسنه المحاق، وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال، ولا خالص ولا متلألىء، ويعلوه برد ويكسفه ظل، ثم لا يعتبر ذلك إلا عند كماله، وليلة فخره واحتفاله.

وكثيراً ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن بري اللون، روحاني البدن.

وإن احتجوا عليك له بالجزر والمد، احتججت عليهم بالحلم والعلم، وبأن طاعتك اختيار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة

قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا يمكنه البدوات، وليس في قواه فضل للتصرف.

على أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. وكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا خير فيه.

تعير نسيم الهواء طيباً، وتراب الأرض عبقاً.

إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تنسكت فالرهبانية والإخلاص، وإن ترزنت فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل.

وطباعك - جعلت فداءك - طباع الخمر، إلا أنك حلال كلك. وجوهرك جوهر الذهب إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله، وأخذت خصال المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من كل

شيء صفوته وشرفه، ولبابه وبهاؤه. وهل يضير القمر نباح الكلب، وهل يزعزع النخلة سقوط البعوضة؟! فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله.

وقد ذهب الناس في المزاح في مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان.

وسنأتي على جمل هذه الأقاويل، ثم نذكر جملة ما نقول إن شاء الله.

فأما المحامي عن الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، والمزح جمام، والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه.

والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. فقد شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر.

وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيباً، والهزل مذموماً، لأن صاحبه لا يكون إلا معرضاً لمجاوزة الحد، ومخاطراً بمودة الصديق.

فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر والتجاوز للجد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين.

فقد ساواه المزح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح إنما صار قبيحاً لأن الذي يكون بعده جد، ولم يصر الجد قبيحاً لأن الذي يكون بعده مزح، وكان الجد في هذا الوزن أقبح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن، لأن ما جعل الشيء قبيحاً أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسناً أحسن من الشيء.

فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه، كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه.

دقال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع.

وقد قسم الله تعالى الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، وأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ المباح كما شدد أمر المفروض، وجعل المباح جماماً للقلوب، وراحة للأبدان، وعوناً على معاودة الأعمال، فصار الإطلاق كالحظر، والصبر كالشكر.

فليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء إلا وله في الضراء مثله.

ولو لم يرزق الله تعالى العباد إلا بالصواب محضاً، وبالصدق بحتاً، وبمر الحق صفحاً، لهلكت العوام، ولانتقض أمر الخاص.

ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث.

وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلماً كما يكون النسيان للسلامة سبباً. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك يجري جميع القبض والبسط.

فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم.

ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزاح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة الهزل. والحق أن ينضح عن بعض المزح، ويحتج لجمهور الجد. وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ذاكرون.

وقد مزح رسول الله ﷺ. ولا يقال: كان فيه مزاح، ولا يقال مزاح. وكذا الأئمة ومن تبذل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار.

وقال عمر رضوان الله تعالى عليه: " إنا إذا خلونا كنا كأحدكم ".

وقد كان عمر عبوساً قطوباً.

وكان زياد مع كلوحه وقطوبه، يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا.

وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا شيطاناً؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! ".

فقد ذكرنا خير العالمين، وجلة من خيار المسلمين، وجباراً عنيداً، وكافراً لعيناً.

وبعد فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة. وقد أتانا رسول الله ﷺ بالحنيفية السمحة، ولم يأتنا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي.

فصل

قد اعتذرنا في معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزاح، ومرة بالنسيان، ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك.

والجملة أنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا، لكان في فضلك ما يتغمدنا، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا، واعتذرنا ثم أطنبنا.

فإن تقبل، فحظك أصبت، ولنفسك نظرت. وإن لم تقبل فاجهد جهدك، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت. وأقول كما قال أخو بني منقر:

فما بقيا علي تركتمانيولكن خفتما صرد النبال
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فما بقيا علي تركتماني»

والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بإسماعيل بن علي، ولئن صلت علي بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط

لأتيهن عليك بحسبة وهب الدلال.

وأنا أرى لك أن تقبل العافية، وترغب إلى الله تعالى في السلامة. واحذر البغي فإن مصرعه وخيم، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل.

وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر، ولقيس بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر، ولطاهر إذا صال. ومن عرف قدره عرف قدر خصمه، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره.

وعليك بالجادة ودع البنيات فإن ذلك أمثل لك.

وأنت - والله يا أخي - تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الأخبار، أني أظهر منك حرباً، وألطف كيداً، وأكثر علماً، وأوزن حلماً، وأخف روحاً، وأكرم عيناً، وأقل غثاً وأحسن قداً وأبعد غوراً، وأجمل وجهاً، وأنصع ظرفاً. وأكثر ملحاً، وأنطق لساناً وأحسن بياناً، وأجهر جهارة، وأحسن شارة.

وأنت رجل تشدو من العلم، وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتعز من قدرك، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء، ليس عندك إلا ذاك. فلم تزاحم البحر بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ.

فأما الباد والقامة، فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يميل بين النخلة والدقل، وبين رحى الطحان وبين سيف يمان. وإنما يكون التمييل بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين

دون المتفاوتين. فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، والفقر والغنى، فهذا مما لا يخطأ فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس.

والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي. كل ذلك سبيله التنبيه والتذكير، والتقويم والتأنيب.

والعمد نوع واحد، وسبيله القمع والحظر، والضرب والقتل. وأول ذلك أن يهجره صاحب الحكمة، ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة.

وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة عياناً. وأنت لا ترضى بجحد العيان حتى تدعو إليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى بالعداوة حتى يكون لك في ذلك الرياسة، ولا ترضى بالرياسة دون السابقة، ولا بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري، والمواليد التي تنمي. ولا ترضى بأن يكون أولاً حتى تكون آخراً، ولا بالمداراة دون المباداة،

ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام وأن التقصير كفر.

وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة، لأنك رجل لا عقب لك. والإمامة اليوم لا تصلح في الإخوة، واو صلحت في الإخوة كانت تصلح في ابن العم، ثم دنت من الأرحام شيئاً فصارت لا تصلح إلا في الولد. وفي هذا القياس أنها بعد أعوام لا تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه إلى آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ. وأنت رافضي ولم يكن هذا عندك.

فأهد إلي الآن من خالص التوتيا كما أهديت إليك باب التناسخ.

وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة

المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرياسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمغالبة رفعة.

أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتاً، وأخلقهم للتوبة أصلبهم وجهاً، وأحسنهم تقية أقلهم تحرجاً، وأحسنهم إنصافاً أشدهم شغباً.

تعشق المتهور، وتكلف بالجموح، وتصافي الوقاح. والأديب عندك من يعيب أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كل نعمة، وأنكر كل حقيقة.

جعلت فداك. إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير، واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده. وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي؛ ولأنك متى

كنت للشيء متوقعاً، وله منتظراً، كان أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدى إليك. وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم.

كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفاً بالاقتباس، وشحاً على نصيبي منك، وضناً بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر.

فصل

والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئاً من حاجته.

ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز.

وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالاً ممن لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه.

هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته.

ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة. كان يقال: " من شاب شيب له ".

وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم

بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية.

ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ما بين النعتين.

الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطىء، وأن تعلم أن السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع