من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
مقدمة المؤلف
﷽
وما توفيقي إلاّ بالله
يقول العبد الفقير إلى الله تعالى، الراجي عفوه، أحمد بن يحيى بن فضل الله ابن المجلي بن دعجان بن خلف بن أبي الفضل نصر بن منصور بن عبيد الله بن عدي بن محمد أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح ابن أبي سلمة - وقيل أسلمة - بن عبيد الله بن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، عفا الله عنه ولطف به آمين:
الحمد لله خالق الأرض ومن عليها، ومبدئ الخلق منها ومعيدهم إليها، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تحفظ ما لديّها.
وأشهد أن محمدا سيدنا عبده ورسوله الذي فتح به لأمّته من خلفها وبين يديها - صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تفيض على المشارق والمغارب من جانبها - وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فلمّا كانت النفوس لا يصلحها إلا التنقّل من حال إلى حال، والتوقّل على شرفات الشدّ والارتحال، للاطّلاع على الغرائب، والاستطلاع للعجائب، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ﴾، وقال:
﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾، (وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى اَلسَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى اَلْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى اَلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وقال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ﴾
﴿اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ﴾)، ولقد ذكر النبيّ ﷺ، خطبة قس بن ساعدة بعكاظ، وفيها قوله: «إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا».
ولقد طالعت الكتب الموضوعة في أحوال الأقاليم وما فيها، فلم أجد من بين أحوالها، ومثّل في الأفهام صورها، لأنّ غالب تلك الكتب لا تتضمّن سوى الأخبار القديمة، وأحوال الملوك السالفة، والأمم البائدة، وبعض مصطلحات ذهبت بذهاب أهلها، ولم يبق في مجرّد ذكرها عظيم فائدة، ولا كبير أمر، وخير القول أصدقه، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالّة على المقصود في ذكر (الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهر فالأظهر، والأشهر فالأشهر وما لم أجد بدّا من ذكره في ذلك ومثله، وحالة) كل مملكة، وما هي عليه، هي وأهلها في وقتنا هذا، مما ضمّه نطاق تلك المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة، لأقرّب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أمّ كلّ مملكة من المصطلح والمعاملات، وما يوجد فيها
غالبا، ليبصر أهل كلّ قطر القطر الآخر، وبيّنته بالتصوير، ليعرف كيف هو، كأنه قدّام عيونهم بالمشاهدة والعيان، مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة، وفيما لم أره بالنقل ممّن يعرف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأذنه.
ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، من ذوي التدقيق في النظر، والتحقيق للرواية، واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كلّ مملكة، لآمن من تغفّل الغفلاء، وتخيّل الجهالات الضالّة، وتحريف الأفهام الفاسدة.
فإن نقلت عن بعض الكتب المصنّفة في هذا الشأن، فهو من الموثوق به فيما لابدّ منه: كتقسيم الأقاليم، وما فيها من أقوال القدماء، واختلاف آراء الحكماء، (إلى غير ذلك من غرائب وعجائب، وأخبار ملل ودول، وذكر مشاهير أعلام، وتاريخ سنين وشهور وأيام مما هو مسرح أمل، ومطمح ذي عمل) لأجمّل به كلامي، وأكملّ به نقصي، وأتمّم به بهجة النظر، ورونق الصفحات: كالطراز في الثوب، والخال في الخد، لا لأكثر به سواد السطور، وأكبّر به حجم الكتاب، ولم أقتصر بذكر الأقاليم، عند ذكري الممالك، مقصد الجغرافيا، كالأول والثاني والثالث، ولا بما تطلق عليه المسمّيات، كالعراق وخراسان وأذربيجان.
بل أذكر ما اشتملت عليه مملكة سلطان، جملة لا تفصيلا، على ما هي عليه المدينة التي هي قاعدة الملك: كقرشى والسّراي من قسمي توران و
توريز من إيران، أو ما لا بدّ من ذكره معها، والغالب في تلك المملكة من أوضاعها، والأكثر من مصطلح أهلها.
ولا أعني ذوي الممالك الصّغار، إذا كانوا في مملكة سلطان قاهر عليهم، آمر فيهم: إذ هم جزء من كلّ، بل الذكر لكلّ سلطان يستحقّ اسم السلطنة: لاتساع ممالك وأعمال، وكثرة جنود وأموال، ويتغطى بذيله من لعلّه يكون في مملكته من ذوي الممالك الصّغار: كصاحب حماة مع صاحب مصر، وصاحب ماردين مع صاحب إيران، اللّهمّ إلا أن تكون تلك المملكة مفردة لملك أو ملوك، وليس عليهم سلطان يجمعهم حكمه، ويمضي فيهم أمره: كملوك الجيل، وملوك جبال البربر، وما يجري هذا المجرى، ويسري كوكبه هذا المسرى.
ولم آل جهدا في تصحيح ما كتبته بحسب الطاقة، من غير استيعاب ولا تطويل، ولم أعرّج إلى ملوك الكفّار ركابي، ولا أرسيت بجزائر البحر سفني، ولا أسهرت في الظلمات عيني، ولا أتعبت في المحفورة يدي (إلا ما ألممت منه إلمامة الطيف المنقّر، ونغبت منه نغبة الطائر الحذر) لأنّ غالب ما يقال (والله أعلم) أسماء لا يعرف لها حقيقة، ومجاهل لا توصّل إليها طريق.
ولم أقصد في المعمورة سوى الممالك العظيمة، ولا خرجت في جهاتها عن الطريق المستقيمة: اكتفاء بالحقّ الواضح، والصدق الظاهر، مما اتصلت بنا حقيقة أخباره، وصحّت عندنا جليّة أحواله.
وقنعت بما بلغه ملك هذه الأمّة، وتمت بكلمة الإسلام على أهله النعمة، ولم أتجاوز حدّها، ولا مشيت خطوة بعدها، إلا ما جرّه سياق الكلام، أو طارح به شجون الحديث: مما اندرج في أثناء ذلك، أو اضطرت إليه تعريجات السالك، أو اقتضاه سبب، أو دخل مع غيره في ذمّة حسب.
وإن كان في العمر فسحة، وفي الجسم صحّة، وللهمّة نشاط، وللنفس انبساط - وما ذلك على الله بعزيز، ولا من عوائد ألطافه الخفية بعجيب - لأذيلنّ بممالك الكفّار هذا التصنيف، وأجيء بفارسه المعلم وخلفه من سبّيهم رديف.
لكنني لم آت في هذا الكتاب بذكر ممالكهم - على اتساع بلادها - إلا عرضا، ولا سطرت من تفصيلها إلا جملا: توفيرا للمادة، وتيسيرا للجادّة، ولأتمتع برونق الأنوار، ولا أشوب بسواد الليل بياض النهار.
على أنّني ربما ذكرت في مكان ما قاربه من بلاد الكفّار، وذكرته للمجاورة رجاء أن يؤخذ بشفعة الجوار.
ولم أذكر عجيبة حتّى فحصت عنها، ولا غريبة حتّى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه، وتبرّأت منها، وقد يقع الإنكار لأكثر الحقائق من الناس: لنقصان العقول، لأن الذي يعرف الجائز والمستحيل، يعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرة الله تعالى قليل، وقد وصف الله تعالى الجهّال بعدم العقل، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، وقد أودع الله من عجائب المصنوعات، في الأرض والسّماوات، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾
﴿فِي اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾، (وقد أرانا من عظيم قدرته، وبدائع صنعه، ما جلا الشك، وأوضح الحقّ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟).
وأول ما أبدأ بالمشرق، لأن منه يتفتح نوّار الأنوار، وتجري أنهار النهار، إلى أن أختمه بنهاية المغرب، إلى البحر المحيط، لأنه الغاية وإليه النهاية إلا فيما لم أجد بدّا من الابتداء به من المغرب إلى المشرق: كتخريج الأقاليم، لابتداء الأطوال من الجزائر الخالدات بالبحر الغربي، أو ما هذا حكمه، أو وقع عليه قسمه.
وقطعت فيه عمر الأيّام والليالي، وأثبتّ فيه بالأقلام أخبار العوالي، وشغلت به الحين بعد الحين، واشتغلت ولم أسمع قول (اللاحين، وحرصت عليه حرص الضّنين، وخلصت إليه بعد أن أجريت ورائي السنين.
وشرعت فيه) في أيام من ماننا بإحسانه، وأمّننا في سلطانه: سيّدنا ومولانا، ومالك رقابنا، السلطان بن السلطان، السيّد الكبير الملك الناصر، العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر، المؤيّد المظفّر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، نائب الله في أرضه، القائم بسنّته وفرضه، ملك البحرين، خادم الحرمين،
حامي القبلتين، مبايع الخليفتين، بهلوان جهان، إسكندر الزمان، ناشر علم العدل والإحسان، مملّك أصحاب المنابر والأسرّة والتخوت والتيجان، جامع ذيول الأقطار، مبيد البغاة والطّغاة والكفّار، هازم الروم والفرنج والكرج والأرمن والتتار، سلطان البسيطة، مثبّت أركان المحيطة، إمام المتّقين، وليّ أمور المؤمنين، متعهّد حج بيت الله الحرام وزيارة سيّد المرسلين، أبي المعالي محمد بن مولانا السلطان الكبير الشهيد أبي المظفر قلاوون، سيّد ملوك الأرض على الإجماع، المخصوص بملك أشرف البقاع:
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجدملء المسامع والأفواه والمقل!
فأدام الله أيامه، وأدار على مفارق النجوم أعلامه! وسميته:
«مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»
وعلى الله أعتمد، ومنه أستمد، وإياه أسأل التوفيق والإعانة، وأبرأ من الحول والقوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل!
وفهرست ما تضمّنه وجملته قسمان:
القسم الأول - الأرض.
القسم الثاني - في سكان الأرض.
القسم الأوّل من الكتاب
في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا وهو نوعان:
النوع الأوّل - في ذكر المسالك.
النوع الثاني - في ذكر الممالك.
أمّا النوع الأوّل المشتمل على المسالك ففيه أبواب:
الباب الأوّل - في مقدار الأرض وحالها.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في كيفية الأرض ومقدارها.
الفصل الثاني - في أسمائها وصفاتها.
الفصل الثالث - في أسماء التراب وصفاته.
الفصل الرابع - في الغبار وصفاته.
الفصل الخامس - في أسماء الرمال وصفاتها.
الفصل السادس - في أحوال الأرض.
ويستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار، والبحيرات، والمساجد الثلاثة، وما درج معها، وذكر جمل من الآثار القديمة.
الباب الثاني - في ذكر الأقاليم السبعة.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في تقسيم الأقاليم.
الفصل الثاني - فيما وقع في الأقاليم من المدن، والجزائر العامرة، برا وبحرا، تصويرها بأشكالها، (ويتصل بذلك كلام جمليّ في أمر مشاهير ممالك عبّاد صليب، في البرّ دون البحر).
الفصل الثالث - في ذكر أطوال النهار في كل إقليم.
الباب الثالث - في البحار وما يتعلّق بها.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في ذكر البحار.
الفصل الثاني - في ذكر الرياح، وصورة القنباص،
الفصل الثالث - في ذكر نبذة من العجائب، برا وبحرا.
الباب الرابع - في القبلة والأدلّة عليها.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في أقوال الفقهاء.
الفصل الثاني - في الاستدلال عليها بالنجوم.
الفصل الثالث - في الاستدلال عليها بالرياح.
الفصل الرابع - في الاستدلال عليها بالجبال.
الفصل الخامس - في الاستدلال عليها بالأنهار.
الفصل السادس - في قبلة كلّ أرض.
وخاتمة الباب فصل جامع يشتمل على ذكر تداخل الشهور، والكواكب الثابتة، والسيّارة، وصورة الأفلاك، والقول في الخسوف والكسوف، وما يستطرد في ذلك، ويندرج معه لاستخراج القبلة، وما اندرج في ذلك، وتسميته استطرادا لتعلق بعضه ببعض.
الباب الخامس - في ذكر الطرق.
وفيه فصلان:
الفصل الأول - في تعاريج الطريق.
الفصل الثاني - في سواء الطريق.
النوع الثاني - في ذكر الممالك.
وهو خمسة عشر بابا:
الباب الأوّل - في مملكة الهند والسند.
الباب الثاني - في ممالك بيت جنكز خان.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في الكلام عليها جمليّا.
الفصل الثاني - في مملكة القان الكبير، صاحب التخت، وهو صاحب الصين لخطا.
الفصل الثالث - في التّورانيّين، وهم فرقتان:
الفرقة الأولى - فيما وراء النهر.
الفرقة الثانية - في خوارزم والقبجاق.
الفصل الرابع - في الإيرانيّين.
الباب الثالث - في مملكة الجيل.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في بومن.
الفصل الثاني - في توليم.
الفصل الثالث - في كسكر.
الفصل الرابع - في رشفت.
الباب الرابع - في مملكة الجبال.
وفيه فصول:
الفصل الأول - في الأكراد.
الفصل الثاني - في اللرّ.
الفصل الثالث - في الشول.
الفصل الرابع - في شنكارة.
الباب الخامس - في مملكة الأتراك بالروم.
وفيه ستة عشر فصلا:
الفصل الأول - في مملكة كزمينان.
الفصل الثاني - في مملكة طنغرلو.
الفصل الثالث - في مملكة توازا.
الفصل الرابع - في مملكة عيدلي.
الفصل الخامس - في مملكة كصطمونيّة.
الفصل السادس - في مملكة قاويا.
الفصل السابع - في مملكة برسا.
الفصل الثامن - في مملكة اكيرا.
الفصل التاسع - في مملكة مرمرا.
الفصل العاشر - في مملكة مغنيسيا.
الفصل الحادي عشر - في مملكة نيف.
الفصل الثاني عشر - في مملكة بركى.
الفصل الثالث عشر - في مملكة فوكة.
الفصل الرابع عشر - في مملكة أنطاليا.
الفصل الخامس عشر - في مملكة قراصار.
الفصل السادس عشر - في مملكة أرنمناك.
الباب السادس - في مملكة مصر والشام والحجاز.
الباب السابع - في مملكة اليمن.
وفيه فصلان:
الفصل الأول - فيما هو بيد أولاد رسول.
الفصل الثاني - فيما هو بيد الأشراف.
الباب الثامن - في ممالك المسلمين بالحبشة.
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول - في مملكة أوفات.
الفصل الثاني - في مملكة دوارو.
الفصل الثالث - في مملكة أرابيني.
الفصل الرابع - في مملكة هدية.
الفصل الخامس - في مملكة شرخا.
الفصل السادس - في مملكة بالي.
الفصل السابع - في مملكة داره.
الباب التاسع - في ممالك مسلمي السودان على ضفة النيل الممتدّ إلى مصر، وفيه فصلان:
الفصل الأول - في مملكة الكانم.
الفصل الثاني - في النّوبة.
الباب العاشر - في مملكة مالّي.
الباب الحادي عشر - في مملكة جبال البربر.
الباب الثاني عشر - في مملكة إفريقيّة.
الباب الثالث عشر - في مملكة برّ العدوة.
الباب الرابع عشر - في مملكة الأندلس.
الباب الخامس عشر - في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم، ومضارب أخبيتهم ومساكنهم.
القسم الثاني من الكتاب
في سكان الأرض من طوائف الأمم
وهو أنواع:
النوع الأوّل - في الإنصاف بين المشرق والمغرب.
وهذا النوع له شبهان: شبه بالقسم الأول بحسب موضوعه، وما اندرج معه، وتعلق بذيل المفاخرة بين الجانبين من النبات والمعدن، وله شبه بهذا القسم بحسب ما اندرج فيه من ذكر طوائف العلماء، الذين هم أعيان الناس، وذكر سائر الحيوان، إلا أن هذا الشّبه أقوى، لأن المقصود من المكان ساكنه، فألحقناه بهذا القسم.
النوع الثاني - في الكلام على الديانات: وهي ست نحل، وأربع ملل.
النوع الثالث - في الكلام على طوائف المتديّنين.
النوع الرابع - في ذكر التاريخ.
وفيه بابان:
الباب الأول - في ذكر الدّول التي كانت قبل الإسلام.
الباب الثاني - في ذكر الدّول الكائنة في الإسلام.
ومن حيث عيّنا التبويب، وبيّنا الترتيب، نشرع في ذكرها بابا بابا إلى انتهاء الأبواب، ونوعا إلى انقضاء الكتاب.
والله المؤمّل في عمر يوفيّ بتمامه، ويوفرّ الموادّ على مدد أقسامه، مع ما هو أبقى من الابتهال إلى الله فيما هو أهمّ: من التفويض إليه، والابتهاج بما لديه، مما
يوقّى المهجات، ويرقّي الدرجات، في الدنيا والآخرة، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، والمقدّر له والهادي إليه!
والرغبة إلى من وقف على هذا الكتاب، ووقع منه نظره على خطإ أو صواب، أن يصفح عما جنح فيه القلم إلى الزّلل، وتخطّى إليه الفكر من الخطل، ويبسط العذر لمن لم يجب البلاد، ولم يجل في الآفاق، ولم يتهم في تهامة ولا. أعرق في عراق، ولا خطب الدّأماء، ولا خبط الظّلماء، ولا اقتحم لجج البرّ والبحر، ولا تعدّى مصر والشام والحجاز، ولا فارق ممالك كان هو وأسلافه فيها تحت قيد العلق والشواغل، لما كان يتقلّده منهم ابن عن أبيه، وأخ عن أخيه، من أعباء الدول وأمور الممالك، وأثقال الفكر والمهمات، وشغل الأسماع والأبصار، مما يستغرق بعضه الأوقات، ويقطع عن الأسباب، حتّى عن لفظة سؤال، ولحظة كتاب، إلى أن وهبني الله فراغا ألّفت فيه هذا الكتاب.
وهذا أوان سرد ما اشتمل عليه كل قسم من الأبواب.
ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلّي العظيم، وأستغفر الله إن الله غفور رحيم!
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع