تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مسجد دمشق

الصفحة ١ من ٢

مسجد عظيم، ومعبد قديم. لا يعرف على الحقيقة بانيه ولا زمن بنائه. فتح المسلمون الشأم، وهو كنيسة لأهل دمشق يتعبّد فيها، زمن الرّوم. وقد كان قبلهم معبدا لأمم مختلفة. وتزعم الكلدانية أنه من بنائهم وأنهم بنوه فيما بنوا من الهياكل السبعة التي اتخذوها للكواكب السبعة. جعلوه بيتا للمشتري. قالوا ولهذا استمر التعبّد فيه إذ كان المشتري طالع الديانات والتأله. هذا ما زعموه.

وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم: حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود وما كان من حدّ الفسيفساء إلى فوق، فهو من بناء الوليد.

وقال الوليد بن مسلم: لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء دمشق، وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر، فيه كتاب نقش. فأتوا به الوليد.

فبعث إلى الرّوم فلم يستخرجوه. فدلّ على وهب بن منبه. فأقدمه عليه، فأخبره بموضع ذلك اللوح. ويقال ذلك الحائط من بناء هود ﵇. فلما نظر إليه وهب، حرّك رأسه. ثم قرأه، فإذا هو:

«بسم الله الرحمن الرحيم. ابن آدم! لو نظرت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك! وإنما تلقى ندمك، لو قد زلّت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب! فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحلّ بك أجلك، وتنتزع منك روحك! فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته! ثم تصير إلى برزخ المثوى، ومجاورة الموتى. فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوّة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل! وكتب في زمان سليمان بن داوود ﵉».

ولما فتح المسلمون دمشق (على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى) دخل أمير الجيش أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁ بالأمان من غرب البلد، ودخل خالد بن الوليد بالسيف من شرقه.

فكانت دمشق نصفين. والكنيسة كذلك. فاتخذوا منها النصف الشرقيّ المفتوح عنوة، مسجدا يصلّون فيه. وتصلّي النصارى في النصف الآخر. فتأذّى المسلمون لمجاورة النصارى لهم في مكان تعبدّهم، وكرهوا قرع النواقيس بإزائهم.

واشتدّ ذلك على الوليد بن عبد الملك. وكان مغرى في سلطانه بعمارة المساجد وبناء المعابد. فأعطى رجلا ديته حتّى أتى القسطنطينية. ودخل في زيّ النصارى كنيستها العظمى يوم الأحد، والملك فيها فمن دونه. فلبث حتّى رأى أن جمعهم قد استكمل. ثم قام فأذّن. فأخذ وأحضر لدى الملك، وقد جلس إلى

جانبه البطريرك، واستدارت بهما القسوس والشمامسة. فقال له الملك: من أنت، وما حملك على ما صنعت؟ فقال: أما أنا، فرجل من المسلمين من أهل دمشق، وأما ما حملني على ما صنعت، فأنشدك الله، أيها الملك: هل ساءك ما فعلته وكرهته أم لا؟ فقال: نعم. فقال: ونحن في معبد في شطره النصارى، نسمع نواقيسهم، ونساء بمجاورتهم. فأراد أمير المؤمنين أن يعرفك أننا نساء بذلك، كما ساءكم ما فعلت. فخلّى عنه، وكانوا قد هموا بقتله. ثم قال له:

صالحونا على عوض. فصولحوا عنه بنصف كنيسة مريم، وكانت شطرين.

ثم شرع الوليد بن عبد الملك في تحسين بنائه وتحصين فنائه. أبقى منه ما أبقى، وجدّد ما جدّد.

وقال إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقريء: «حدّثني أبي عن أبيه المغيرة، أنه دخل يوما على الوليد بن عبد الملك فرآه مغموما. فقال: يا أمير المؤمنين ما سبيلك؟ فقال: يا مغيرة إنّ المسلمين قد كثروا، وقد ضاق بهم المسجد. وقد بعثت إلى هؤلاء لندخل كنيستهم في المسجد، فأبوا. وقد أقطعتهم قطائع كثيرة وبذلت لهم مالا، فامتنعوا. قال: لا تغتمّ يا أمير المؤمنين! قد دخل خالد من الباب الشرقيّ بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان. فماسحهم [إلى] أيّ موضع بلغ السيف، فإن يكن لنا فيه حقّ أخذناه. قال: فرّجت عني! فتولّ أنت هذا. فتولاه. فبلغت المسحة إلى سوق الريحان (حتّى حاذى) من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسرا

بالقاسميّ. فإذا باقي الكنيسة قد دخل في المسجد. فبعث إليهم، فقال [لهم]:

هذا حقّ قد جعله الله لنا [لنصلي فيه] لم يصلّ المسلمون في غصب ولا ظلم، بل نأخذ حقنا. قالوا: قد أقطعتنا أربع كنائس، وبذلت لنا من المال كذا وكذا.

فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تتفضل بذلك علينا، فافعل! فتمنع عليهم حتّى سألوه وطلبوا إليه. فأعطاهم كنيسة حميد بن درّة، وكنيسة أخرى عند سوق الجبن، وكنيسة مريم، وكنيسة المصلّبة.

ثم جمع الوليد المسلمين لهدم الكنيسة. فقال بعض الأقساء للوليد، والفأس على كتفه، وعليه قباء سفرجليّ، وقد شدّ قباءه: إني أخاف عليك من الشاهد. قال: ويلك! إني ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد! ثم إنه صعد.

فأول من وضع فأسه في هدمها الوليد بن عبد الملك. وكبّر الناس».

وقال يعقوب الفسويّ: سألت هشام بن عمّار عن هدم الكنيسة. فقال:

كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة. فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبرهما. قال: فرضوا أن هدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد. وكان بابها قبلة المسجد اليوم المحراب الذي يصلّى فيه. قال: وهدم الكنيسة في أول خلافته [سنة ست وثمانين]. وكانوا في بنيانه تسع سنين. ولم يتم بناؤه.

وقال يزيد بن أبي مالك: أرسل إلى الوليد حين أراد أن ينقض الكنيسة

فأتاه النصارى فقالوا: كنيستنا لا تهدمها! قال: فإني أتركها وأهدم كنيسة توما، لأنها لم تكن في العهد. فلما رأوا ذلك، قالوا: فإنا نتركها لكم، وتدع لنا كنيسة توما. فصعد الوليد وصعدنا معه. فكان أول من ضرب بفأس في هدمها.

قال: وأراد أن يبني المسجد أسطوانات إلى الطاقات. فدخل بعض البنائين فقال: لا ينبغي أن يبنى هكذا. ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها، ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا. وتعقد فوق العمد قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء. وتجعل بين كل عمودين ركنا، قال: فبني كذلك.

وقال إبراهيم بن هشام الغسّاني: حدثني أبي عن يحيى بن يحيى، قال: لما همّ بهدم كنيسة مريحنّا ليزيدها في المسجد، يعني الوليد، صعد المنارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها، راهب يأوي في صومعة.

فأحدره من الصومعة، فأكثر الراهب كلامه. فلم تزل يد الوليد تدقّ في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم همّ بهدم الكنيسة. فقال له جماعة من نجاري النصارى: ما نجسر على هدمها. فقال: أتخافون؟ هات المعول، يا غلام! ثم أتي بسلّم فنصبه على محراب المذبح. وصعد فضرب بيده حتّى أثر فيه أثرا كبيرا. ثم صعد المسلمون فهدموه، وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة الكنيسة التي بحمام القاسم، حذاء دار أمّ البنين في الفراديس. قال يحيى بن يحيى: أنا رأيت الوليد فعل ذلك بكنيسة مسجد دمشق.

وروى الوليد بن مسلم عن ابن جابر وغيره، قالوا: لما كان الوليد وأراد بناء

المسجد، فقال: إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه [كنيسة يوحنا]، ونعطيكم عوضها حيث شئتم. وإن شئتم أعطيتكم ثمنها، وأضعف لكم الثمن. فأبوا ذلك، وقالوا: لنا ذمّة وعهد. والله إنا لنجد ما يهدمها أحد، إلا جنّ! قال: فأنا أول من يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر فضرب، وهدم الناس معه.

قال أحمد بن المعلّى: «فأخبرني شيبة بن الوليد، قال حدّثني أبي، قال:

كنت أمرّ بعبد الرحمن بن عامر اليحصبيّ (وهو شيخ كبير أزرق) وهو جالس بالروضة، فيقول لي: ألا تأتي حتّى أكتب لك ارتجاز جدّك وهو يضرب بالفأس في الكنيسة بعد الوليد؟ قلت: نعم، ولكن حدّثني الحديث. فقال: لما عزم الوليد على هدم الكنيسة، قالوا إنه لا يهدمها أحد إلا جنّ. فقام جدّك يزيد ابن تميم فجمع له وجوه أهل البلد. وأمره الوليد أن يتخذ فأسا صغيرة. ففعل.

ثم خرج الوليد وتبعه وجوه أهل البلد حتّى علا الكنيسة. ثم التفت إلى يزيد بن تميم، فقال: أين الفأس؟ فأتاه به. فقال إن هولاء الكفرة يزعمون أن أول من يهدمها يجنّ، وأنا أول من يجنّ في الله. وأخذ برقبة قبائه فوضعها في منطقته. ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات. ثم ناوله جدّك فضرب به بعده، وتناول الفأس كل من حضر.

وصاح النصارى على الدرج وولوا. فالتفت إلى يزيد بن تميم، وهو على خراجه، فقال: ابعث إلى اليهود حتّى يأتوا على هدمها. ففعل. فجاء اليهود فهدموها».

قال ابن المعلّى: وأخبرني همّام بن محمد بن عبد الباقي، قال: حدّثني أبي، قال حدثني مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، قال:

لما أراد الوليد بناء مسجد دمشق، احتاج إلى الصّنّاع. فكتب إلى الطاغية أن وجه إليّ بمائتي صانع من صنّاع الروم، فإني أريد أن أبني مسجدا. وإن لم تفعل، غزوتك بالجيوش، وخربت الكنائس، وفعلت. فكتب إليه: «لئن كان أبوك فهمها فأغفل عنها، إنها لوصمة عليه، ولئن كنت فهّمتها وغيّبت عن أبيك، إنها لوصمة عليك. وأنا موجّه إليك ما سألت». فأراد أن يعمل جوابا، فجلس عقلاء الرجال يفكرون. فقال الفرزدق: أنا أجيبه، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾. فسرّي عنهم».

وعن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه، قال: كتب ملك الروم إلى الوليد: «إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقا فقد خالفت أباك، وإن كان باطلا فقد أخطأ أبوك تركها. فلم يجبه أحد.

فوثب الفرزدق، فقال: أنا أبو فراس! ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾! قال فكتب به الوليد إلى ملك الروم.

وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاّس: حدثني أبي عن أبيه عن جدّه، قال: بنى الوليد قبة مسجد دمشق، فلما استقلّت وتمّت، وقعت. فشقّ ذلك عليه. فأتاه بنّاء، فقال: أنا أتولّى بناءها، على أن لا يدخل أحد معي في بنائها. ففعل. فحفر موضع الأركان حتّى بلغ الماء. ثم بناها. فلما استقلت على

وجه الأرض، غطاها بالحصر. وهرب. فأقام الوليد بطلبه ولا يقدر. فلما كان بعد سنة، قدم، فقال له: ما دعاك إلى الهرب؟ قال: تخرج [معي] حتى أريك.

فأتوا. فكشف عن الحصر. فوجد البنيان قد انحطّ حتى صار مع وجه الأرض. فقال: من هذا كنت تؤتى! ثم بناها حتّى قامت.

وقال عمر بن الدّرفس الغسّانيّ: رأيت قبة مسجد دمشق. وقد حفر لأركانها حتّى بلغوا الماء وألقي على الماء جران الكروم. وبني الأساس عليه.

وقال إبراهيم بن أبي حوشب: كان جدّي أحد قومة المسجد في بنائه.

فحدّثت أن الوليد بعث إليه عند فراغه من القبة، ولم يبق إلا عقد رأسها. فقال:

إني عزمت على أن أعقدها بالذهب. قال: يا أمير المؤمنين! اختلطت؟ هذا شيء لا يقدر [عليه]؟ فقال: يا ماجن، تقول لي هذا؟ وأمر به، فضرب خمسين سوطا. ثم قال: اذهب، فافعل ما أمرت به. قال: فذكر لي أنه عمل لبنة من ذهب. فحملها إليه. فلما رآها وعرف ما فيها، قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا. ورضي عنه وأمر له بخمسين دينارا.

وقال أبو بكر أحمد بن البرامي، حدثنا أبي: سمعت بعض شيوخنا قال:

لما فرغ الوليد من بناء المسجد، قيل له أتعبت الناس في طينه كلّ سنة. فأمر أن يسقّف بالرصاص [فطلب الرصاص] من كل بلد. فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصا. فكتب إليه بعض عماله: وجدنا عند امرأة منه شيئا، فأبت أن تبيعه إلا وزنا بوزن. فكتب إليه خذه بما أرادت. فأخذه منها وزنا بوزن. فلما وفّاها،

قالت: هو منّي هديّة للمسجد. وقالت: أنا ظننت أن صاحبكم يظلم الناس.

وقيل كانت يهودية.

وقال الوليد بن مسلم: لما أراد الوليد بناء المسجد، كان سليمان بن عبد الملك على الصّناع.

وروى محمد بن عائذ عن مشيخة قالوا: ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة. لقد كان يفضل عند الرجل منهم الفلس ورأس المسمار، فيجيء حتى يضعه في الخزانة.

وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام: سمعت أبي يقول: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء، إلا رخامتا المقام الغربيّ. فإنه يقال إنهما من عرش سبأ.

وأما الباقي فكله مرمر. المقام هو مقصورة الخطابة والرّخامتان هما السماقيّ البرّاق، لا يدرى ما قيمتهما. (قلت: قوله في ذلك مردود فقد أجمعت الحكماء على أن الرخام هو الأبيض. فأما الملون فكله حجارة. وبمسجد دمشق من الرخام الأبيض وقر مئين من الإبل. وإن كان الثاني رخاما بزعمه، ففيه من الملوّن كالغرابيّ والمنقط والمشحم والأخضر والسّمّاقيّ غير اللوحين شيء كثير. والناس تطلق على كل ذلك اسم الرخام.

وقد استجدّ شيء كثير منه في الحائط الشاميّ، جدّده الظاهر بيبرس.

واستجد بعد ذلك كثير).

وقوله المقام الغربي، إشارة إلى محراب مقصورة الخطابة. فإن المسجد لم يكن في حائطه القبليّ في ذلك الوقت إلّا هذا المحراب، والمحراب الشرقيّ المعروف بمحراب الصحابة.

قال دحيم: وحدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح عن أبيه، قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخّم.

وقال أبو تقيّ هشام بن عبد الملك: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: لما أخذ الوليد في بناء المسجد وظهر من تزويقه وبنائه وعظم مؤونته، تكلم الناس وقالوا:

محق بيوت الأموال في نقش الخشب وتزويق الحيطان. فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «قد بلغني مقالتكم، وليس الأمر على ما ظننتم. ألا وإني أمرت باحصاء ما في بيوت أموالكم فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة.

وقال الوليد عن عمر بن مهاجر، قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التي قبليّ مسجد دمشق فكانت سبعين ألف دينار.

(وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أصبغ بن محمد بن لهيعة السكسكي قال: ذكر أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مر برجل يعمل في المسجد وهو يبكي. فقال: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلا جمالا. فلقيني يوما رجل فقال: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ وذكر موضعا في البّريّة. فقلت نعم. فلما حملته وسرنا بعض الطريق، التفت إلى فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك، وأنا حيّ، أغنيتك، وإن متّ قبل بلوغي إليه، فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك. فإنّ ثمّ قصرا خرابا، فإذا بلغته، فامكث إلى ضحوة النهار. ثم عدّ سبع شرفات من القصر واحفر تحت ظلّ

السابعة منها على قدر قامة. ستظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة، فادخلها، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت.

فاجعلني على السرير الآخر، ومدّني عليه، وحمل ما معك مالا من المغارة وارجع إلى بلدك. فمات الرجل في الطريق، ففعلت ما أمرني به. وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالا من المغارة، وسرت بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيت أن أملأها وداخلني الشّره. فرجعت بها وتركت الجمال والحمارة في الطريق فلم أجد المكان، وعدت. فلم أجد الدوابّ، فبقيت أدور أياما. فلما يئست، رجعت إلى دمشق ولم أحصل على شيء واضطرني الأمر إلى ما ترى: أعمل في التراب كل يوم بدرهم. وكلما ذكرت حالي، لم أملك نفسي أن أبكي فقال له الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئا، وإليّ صارت، فبنيت بها هذا المسجد. ثم وهبه شيئا).

وقال أبو قصيّ العذريّ: وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق، فكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وبلغ الوليد أنهم تكلموا، فقال: يا أهل دمشق إني رأيتكم تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس.

وقال خالد بن تبوك: اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النّسر من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.

وقال أحمد بن إبراهيم الغسّانيّ: حدّثنا أبي عن أبيه عن زيد بن واقد،

قال: وكلني الوليد على العمّال في بناء مسجد دمشق، فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، والشموع تزهر بين يديه، فنزل. فإذا كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة، وإذ فيها صندوق. فإذا فيه سفط، وفي السّفط رأس يحيى بن زكرياء.

فأمر به الوليد، فردّ إلى المكان. وقال اجعلوا العمود الذي فوقه مغيّرا من الأعمدة. فجعل عليه عمود [مسبّك] مسفّط الرأس.

وقال ابن البراميّ: سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازنيّ يقول: لما كان في أيام الوليد وبنائه المسجد، احتفروا فيه فوجدوا بابا مغلقا. فأتى الوليد، ففتح الباب بين يديه. فإذا مغارة فيها تمثال رجل على فرس، في يده الواحدة الدّرّة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة. فأمر بها، فكسرت. فإذا فيها حبّتان: حبّة قمح وحبّة شعير. فسأل عن ذلك، فقيل له: لو تركت الكف، لم يسوس في هذه المدينة قمح ولا شعير.

قلت: وحكى لي شيخنا أبو عبد الله محمد بن أسد النجار الحرّاني الكاتب المجوّد، وكان يباشر به بعض العمائر، أنه فتح في حضرته الشرقية المعروفة بتحت الساعات لكشف قنيّ الماء. فإذا تحت المسجد أقباء معقودة وعمد منصوبة يفرق بينهما عضائد محكمة، قد أحكم بناؤها، وشدّت في سلاسل

الأساس معاقدها. قد بنيت بالصفاح والعمد، والبناء الذي ما هو في قدرة أحد.

قال: ودخلناها وجلنا في جوانبها.

وحكى لي المعلم علي بن محمد بن التقيّ المهندس، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: كان لهذه الكنيسة رواق يحيط بها من الجهات الأربع بأبواب أربعة. في كل جهة باب. فالشرقيّ باب جيّرون، وكان الباب الغربيّ تلقاءه، وراء المسرورية، ما بين العصرونية وبينها. وبقي إلى زمن العادل أبي بكر. ففكّه لما عمّر القلعة. ونقل حجارته وعمده إليها.

قال: وكان في هذا الرواق قلاليّ وصوامع.

قلت: ومن آخر ما نقض منها الباب وما يجاوره برأس القباقبيين، مما يلي عقبة الكتان.

وبني منه منارة الجامع الشرقية، بعد الحريق الكائن سنة أربعين وسبعمائة.

وتأخر من حجارته بقايا اشتريت لعمارة الجامع اليلبغاوي، جوار بردا،

سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.

وثم بقايا من سور ذلك الرواق وباب قديم، موجود بين المدرسة النّورية وبين المدرسة المجاهدية المعروفة بقصر هشام.

وقال ابن المعلّى: أخبرني أحمد بن أبي العباس، حدثنا ضمرة عن عليّ بن أبي جميلة قال: «لما ولي عمر بن عبد العزيز، قالت النصارى: يا أمير المؤمنين، قد علمت حال كنيستنا! قال: إنها صارت إلى ما ترون. فعوضهم كنيسة من كنائس دمشق، لم تكن في صلحهم، يقال لها كنيسة توما».

قال ابن المعلّى: «وبلغني عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر أنهم رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز ما أخذوا عليه العهد في كنائسهم. فكلمهم ورفع لهم في الثمن، حتّى بلغ مائة ألف [دينار]. فأبوا. فكتب إلى محمد بن سويد الفهريّ أن يدفع إليهم كنيستهم، إلا أن يرضيهم. فأعظم الناس ذلك، وفيهم بقية من

أهل الفقه. فشاورهم محمد بن سويد، متولي دمشق. فقالوا: هذا أمر عظيم! ندفع إليهم مسجدنا؟ وقد أذّنا فيه بالصلاة وجمعنا فيه. يهدم ويعاد كنيسة؟ فقال رجل منهم: هاهنا خصلة. لهم كنائس عظام حول المدينة: ديرمرّان، وباب توما، والراهب، وغيرها. إن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم، ولا يبقى حول دمشق كنيسة إلا هدمت، وإن شاؤوا تركت هذه الكنائس ونسجل لهم سجلا. ثم عرضوا عليهم ذلك. فقالوا: أنظرونا، ننظر في أمرنا! فتركهم ثلاثا. فقالوا: نحن نأخذ الذي عرضت علينا، ونكتب إلى الخليفة نخبره بذلك، ويسجّل هو لنا بأمان على ما في الغوطة. فكتب إلى عمر. فسرّه ذلك وسجّل لهم كنائسهم، إنهم آمنون أن تخرّب أو تسكن. وأشهد لهم شهودا بذلك».

وقال صفوان بن صالح: «حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن مهاجر:

سمعت أخي عمرا قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال: رأيت أموالا أنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، فرادّه في بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام، فاقلعه وأطيّنه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالا، وأنزع تلك البطائن. وأبيع جميع ذلك. فبلغ ذلك أهل دمشق فاشتدّ عليهم. فخرج إليه اشرافهم فيهم خالد القسري. فقال لهم خالد: ائذنوا لي حتّى أكون أنا المتكلم. فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان استأذنوا على عمر. ثم قال له خالد: بلغنا يا أمير المؤمنين أنك هممت بكذا وكذا. قال: نعم. قال: والله مالك ذلك. فقال: عمر لمن هو؟ لأمّك الكافرة! (وكانت نصرانية أمّ ولد). فقال: إن كانت كافرة، فقد ولدت مؤمنا. فاستحى عمر، وقال: صدقت! فما قولك «ما ذاك لي»؟ قال: لأنا كنا

معشر أهل الشام، وإخواننا من أهل مصر والعراق نغزو فيفرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزا بالصغير من فسيفساء، وذراعا في ذراع من رخام.

فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب ويستأجر على ما حملوه إلى دمشق.

ويحمل أهل حمص إلى حمص فيستأجر على ما حملوه إلى دمشق، ويحمل أهل الشام ومن ورائهم حصتهم إلى دمشق. فذاك قولي ما ذاك لك. فسكت عمر.

ثم جاءه بريد من والي مصر يخبره أن قاربا ورد عليه من رومية، فيه عشرة من الروم يريدون الوصول إلى أمير المؤمنين. فأذن لهم وأمره أن يوجه معهم عشرة من المسلمين يحسنون الرومية، ولا يعلمونهم بذلك حتّى يحملوا إليّ كلامهم.

فساروا حتّى نزلوا دمشق، خارج باب البريد. فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم في دخول المسجد. فأذن لهم فمّروا في الصحن حتى دخلوا من الباب الذي يواجه القبلة. فكان أول ما استقبلوا المقام. ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة. فخرّ رئيسهم مغشيا عليه. فحمل إلى منزله، فأقام ما شاء الله أن يقيم. ثم أفاق. فقال له أصحابه بالرومية: ما قصّتك؟ وما الذي عرض لك؟ قال: كنا معشر أهل رومية نتحدّث أن بقاء العرب قليل. فلما رأيت ما بنوا، علمت أن لهم مدّة سيبلغونها. فلذلك أصابني ما أصابني. فلما قدموا على عمر، أخبروه. فقال: لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفّار، فترك ما كان همّ به من أمره.

وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني أحمد بن إبراهيم بن هشام، حدثنا أبي عن أبيه عن جدّه، قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يجرّد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب، وقال إنه يشغل عن الصلاة. فقيل له: يا أمير المؤمنين

إنه أنفق عليه فيء المسلمين وأعطياتهم. وليس يجتمع منه شيء ينتفع به. فأراد أن يبيضه بالجصّ. فقيل له: تذهب النفقات فيه. فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: ضاهيت الكعبة. فبينا هو كذلك إذ ورد عليه وفد الروم. فاستأذنوا في دخوله فأذن لهم. وأرسل معهم من يعرف الروميّة وقال: احفظوا ما يقولون.

فلما وقفوا تحت القبة، قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قالوا: مائة سنة. قال: فكيف تصغّرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره، فقال: أما إذ [هو] غايظ العدوّ، فدعه.

وقال أحمد بن إبراهيم بن ملّاس: حدثنا أبي عن أبيه قال: لما قدم المهديّ يريد بيت المقدس، ومعه أبو عبيد الله الأشعري كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله! سبقنا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز. لا يكون والله فينا مثله أبدا. فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبيد الله، هذه رابعة.

قال أحمد: وحدثنا أبي أن المأمون لما دخل مسجد دمشق ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ قال المعتصم: دهنه

وبقاؤه، فإنا ندعه في قصورنا فلا يمضي عليه عشرون سنة حتى يتغير. قال: ما ذاك أعجبني منه. فقال يحيى بن أكثم: تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقدا ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني. قالا: فما هو؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدّم.

وقال الشافعيّ: «عجائب الدنيا خمس: منارة ذي القرنين، والثانية أصحاب الرقيم بالروم، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها، يرون صاحبهم من مسافة مائة فرسخ، والرابعة مسجد دمشق، والخامسة الرخام والفسيفساء،، فإنه لا يدرى لهما موضع».

(قلت: وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر).

والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهّب ثم يطبق عليه زجاج رقيق. ومن هذا النوع المسحور. وأما الملوّن فمعجون.

وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي وحصّل منه على عدّة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة، وعمل منه قبل للجامع التنكزيّ ما على جهة المحراب.

غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر.

والفرق بين الجديد والقديم أن قطعه متناسقة على مقدار واحد، والجديد قطعه مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم).

وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال: ما ينبغي أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها.

وروى أحمد بن البراميّ بسنده عن عبد الرحيم الأنصاريّ قال: سمعت [بعض] الأعراب وهم يزورون المسجد، يقولون: لا صلاة بعد القليلة [يعني الدرة]. فقيل له: رأيت القليلة؟ قال: نعم، وهي تضيء مثل السراج. قلت:

من أخذها؟ قال: أما سمعت المثل؟ «منصور سرق القلة، وسليمان شرب المرّة» منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة، يعني صاحب شرطته. وذلك أن الأمين كان يحب البلور. فكتب إلى صاحب شرطة متولي دمشق أن ينفذ إليه القليلة، فسرقها ليلا، وبعث بها إليه. فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليشنّع بها على الأمين.

وكانت في محراب الصحابة. فلما ذهبت جعل موضعها برنيّة زجاج رأيتها ثم انكسرت فلم يجعل مكانها شيء».

وقال عليّ بن أبي جميلة: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود

حسنة، فدخلته الريح فهزته فخرّقوا اللبود.

قلت: وأما بناؤه، فهو وثيق البناء، أنيق البهاء، قد بني بالحجر والكلس إلى منتهى حوائطه، وشرّف بالشراريف في أعاليه، واتّخذت له ثلاث منائر: اثنتان في جناحي قبلته، شرقا وغربا، والثالثة في شامه وتعرف بالعروس.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع