من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
مسجد دمشق
الصفحة ٢ من ٢
ويدخل إليه من ستة أبواب، منها أربعة أصول، واثنان مستجدان. فالأصول باب الزيادة، وهو في حائطه القبليّ، وباب الساعات وهو في حائطه الشرقيّ (يفضي إلى حضرة الساعات المعمولة لمعرفة الأوقات، تدار بالماء، وتعلق بها أبواب الساعات)، وتجاهه في الحائط الغربيّ باب البريد (وهو أشهر من الشمس في الآفاق، وأكثر ذكرا من «ذكرى حبيب ومنزل» للرفاق. وهو حضرة فسيحة في جانبيها حوانيت للفواكه والشمع والعطر والشراب وأطايب المأكول.
وبها القنيّ من المياه الجارية، توقد عليها المصابيح بالليل فيموه الماء ذهب شعاعها، وتطرب أنابيبها الأسماع بلذة إيقاعها)، والرابع باب النطّافين وهو في حائطه الشماليّ، تلاصقه الخانقاه السميساطية وتقاربها
الأندلسية.
وأما البابان المستجدّان فهما الباب النافذ إلى الكلاسة، والباب النافذ إلى الكاملية. وهما جناحا باب النطّافين.
والمسجد ذو صحن يصاقب باب النطّافين، قد فصّصت حوائطه بالفسيفساء الروميّ المذهب والملوّن بغرائب الأشجار والصباغة.
(ويدور به رواق) قد أزّرت جدره وسواريه بالرّخام الملوّن، وعقدت رؤوس عمده وسواريه بالقناطر. وجعل على [كل] قنطرة منها طاقات صغار، يفصل بين كلّ اثنتين منها عمود رخام أو سارية.
وفي قبلته ثلاثة أروقة، وفي وسطها القبة المعروفة بالنّسر: قد عقدت على المحراب الكبير (الذي يصلّي به خطيب الجامع وعامّة الناس)، ومقصورة الخطابة وبها المنبر، (وأمامه سدّة الأذان، وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، وفي شرقيّ هذه المقصورة) المحراب
المعروف بمحراب الصحابة. وهو محراب المسلمين الأول. وبه تصلي المالكية الآن.
وغربيّ المحراب الكبير محراب يعرف بالأزوردة، تصلي به الحنفية، جوار دار الخطابة، ثم يليه باب الزيادة، ويليه من الغرب محراب تصلي به الحنابلة.
ولكل من هذه المحاريب الثلاثة إمام ومؤذّن (وقد وقف في كل محراب منها وقف على مدرّس وجماعة من الفقهاء من المذاهب الثلاثة: كلّ طائفة في محرابها).
وكلّ أروقته بالعمد والعضائد، عليها طاقات القناطر المعقودة بعضها على بعض. وقد أزّرت جدر هذه الأروقة بالرّخام (الأبيض والمجزّع والأحمر المنقّط والأخضر المرشوش والأسود الغرابيّ والأبقع والمعجون الأزرق).
وأما أركان القبة الأربعة وجناحا النّسر القبليّ فمن الرخام إلى أعلى الجدر والأركان معمول بالفسيفساء، مسقوف بالبطائن المعمولة (بالذهب واللازورد والزنجفر والإسفيداج والأصباغ الخالصة من لون والمركبة من لونين).
وقد جعل في أركان المسجد الأربعة أربعة مشاهد اتّخذت على أسماء الصحابة الأربعة. فالشرقيّ بقبلة [مشهد] على اسم أبي بكر (وبه عدّة خزائن كتب وقف)، وشاميه مشهد على اسم عليّ. والغربيّ بقبلة مشهد على اسم عمر، ويعرف الآن بمشهد عروة، وبه شيخ حديث وجماعة من العلماء يستمعون الحديث بوقف مستقل وعدّة خزائن كتب وقف. وشاميّه مشهد على اسم عثمان، وبه يصلي نائب السلطان (في شباكه والحاكم الشافعيّ إلى جانبه.
وبهذا الشباك يحكم الحاكم بعد الصلاة، كأنه كرسيّ ملك له.
وبهذا المشهد تعقد مجالس الحكام الأربعة والعلماء لفصل القضايا المعضلة التي لا ينفرد بها حاكم. فيجتمعون بأمر نائب السلطان وينظرون في تلك الحكومة ويحكمون فيها بأجمعهم).
وداخل مشهد عليّ مشهد لطيف يعرف بالسجن. يقال إنه سجن به زين العابدين حين أقدم على يزيد. وجواره في زاوية الرواق الشاميّ - شرقيّ الباب النافذ إلى الكاملية - مقصورة قد جاور بها جماعة من الفقراء، وتعرف بالحلبية. وبها خزانة كتب وقف، وفي كلّ من ذلك إمام يؤتمّ به، ومؤذن يقيم الصلاة ويبلّغ.
وفي هذا المسجد زيادات في شماله اتسع بها فناؤه، وتفسحت أرجاؤه. منها (الزاوية الحلبية المذكورة في أوّل حدّه الشماليّ من الشرق).
ثم التربة الكاملية، ولها مسجد له إمام ومؤذن،
والكلاّسة، وبها إمامان ومؤذنان.
وفي شامها، الأشرفية والمدرسة العزيزية ينفذ إليهما، ولكل منهما إمام ومؤذن.
وجوار المدرسة العزيزية التربة الصلاحيّة من غربها.
هذا إلى عدّة أئمة تقوم فيه احتسابا.
وقد فرش المسجد بالمرمر - ومقطعه من جبل المزة - وعمد قائمة بالرخام الملوّن والمنقوش المذهب.
وكذلك عملت عضائده وذهب قواعد عمده ورؤوسها. وأجري الماء في صحن عقدت عليه قبة في صحنه، وفي صحن في ركن النّسر من داخل الرواق، وفي جميع مشاهده وزياداته، وفي ميضأة اتّخذت أسفل المنارة الشرقية منه.
هذا إلى ما في حضرة باب البريد والزيادة وتحت الساعات من مياه جارية، وأسواق قائمة، وسرج تتّقد ليلا كالأنجم، وبيوت ذات مناظر تملأ عين الناظر المتوسّم. فأما القبة فما لا يجول مثلها في ظنّ، ولا يدور في فكر (وقد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا) قد بنيت على قناطر، ممتدّة على قناطر، بعقود محكمة، وقطع صخور منظّمة، إلى سقوف مذهبة، ومحاسن موجزة مسهبة.
(وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة، طول الرمح)
قد غلّفت هي وكل الأسطحة بالرصاص، وحكمت ميازيبه، وجمع فيه من كل حسن غريبه.
قال أبو محمد بن زبر القاضي: سمي باب الساعات لأنه عمل هناك بيكار الساعات، يعلم بها كلّ ساعة تمضي. عليها عصافير من نحاس وحيّة
من نحاس وغراب من نحاس. فإذا تمت الساعة خرجت الحيّة، وصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطّست.
وكان في الجامع قبل حريقه طلّسمات لسائر الحشرات، معلّقة في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق.
فلما احترقت الطلسمات، وجدت. ومما كان فيه طلّسم للصنونات لا تعشش فيه. ولا يدخله غراب. وطلّسم للفأر، وطلسم للحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلا الفأر. وفيه طلّسم للعنكبوت.
وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وكان سببه أن أمير الجيوش بدرا الجماليّ ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلما كان بعد العصر يوم نصف شعبان، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة.
فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار، فبادرت إلى الجامع. وكانت العامّة تعاون المغاربة. فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع. فجلّ الأمر وعظم، فجعلوا يبكون ويتضرّعون.
ووصف العماد الكاتب هذا الحريق في كتاب. فقال: «وفي النصف من
شعبان هذه السنة، احترق جامع دمشق. ففجع الإسلام بمصابه، وصلت النار في محرابه، واشتعل رأس القبة شيبا بما شبّت، وأكلت النار أمّ الليالي منها ما ربّت، وطار النّسر بجناح الضّرام، وكاد يحترق عليه قلب بيت الله الحرام، فكأنّ الجحيم استجارت به فتمسكت بذيله، وكأنّ النهار ذكر ثأرا عنده فعطف على ليله، فواها له! من مسجد أحرقته نفحات أنفاس الساجدين، وعلقت فيه لفحات قلوب الواجدين، ثم تداركه الله بالألطاف والإطفاء، وأتاه بالشفاء بعد الاشتفاء، وقال اصطلاء واصطلاما، وحقق فيه قوله: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾.
(وقال ابن العين زربيّ في الحريق المذكور:
لهف نفسي على دمشق التي كانت جمال الآفاق والأقطار!
وعلى ما أصاب جامعها الجامع للمعجبات والآثار
إذا أتته النّيران طولا وعرضاعن يمين من قطره ويسار،
ثم مرّت على حدائق نخلفإذا الجمر موضع الجمّار!
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أقيمت القبة الرخام التي فيها فوّارة الماء في سنة تسع وستين وثلثمائة. قال: «وقرأت بخط إبراهيم بن محمد
الحنائي: أنشئت الفوارة المنحدرة في وسط جيرون سنة ست عشرة وأربعمائة.
وأمر بجرّ القصعة من ظاهر قصر حجّاج إلى جيرون وأجرى ماءها الشريف فخر الدولة حمزة بن الحسن بن العباس الحسينيّ». وتحته بخط محمد بن أبي نصر الحميديّ. «وسقطت في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، من جمال تحاكّت بها. فأنشئت كرّة أخرى».
قال ابن عساكر: ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة في سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: ثم عمل لها الشاذروان، في آخر دولة الملك العادل سنة نيف عشرة وستمائة.
قال: «ورأيت القصعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون. وفي زنّارها الأوسط ستّ أنابيب صغار، تفور حول الفوّارة. وعليها درابزينات. فلما احترقت اللبادين سنة إحدى وثمانين، تلفت هذه القصعة وبني عوضها هذه البركة المثمّنة (وينبع الماء في هذه البركة من قناة دفنت إليها من مكان مرتفع. فيعلو بها الماء نحو قامة. وسمعة الفوّارة أعظم من مرآها، واسمهما أجلّ من معناها»).
قلت: ولما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة بسوق الدهشة والطرائفيين
وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر وتعلت شرر النار حتى وصلت إلى دائر المنارة الشرقيّة وشرعوا في إصلاح ما وهي من ذلك، وجدوا أعاليها متداعية، وحجارتها مفخرة مفطرة. فوقف عليها الحكام وقامت البينة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جدرها الأربعة إلى حدّ أوتار الرواق القبليّ، ونقض الجدار القبليّ والجدار الشرقيّ إلى الأرض، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدّة قامات. وبني ذلك لبنة واحدة، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يبن من زمن الوليد أجلّ منه ولا أوثق.
وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفديّ من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع:
فسألت الخبر، ممن غبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شبح الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللّهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام معصفرات ذوائبها، وصعدّت إلى السماء عذبات ذوائبها:
ذوائب لجت في علوّ كأنّماتحاول ثارا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي «ترمي بشرر كالقصر، فكم «زمر» «أضحت» لذلك «الدّخان» «جاثيه».
وكم نفس كانت «في النازعات» وهي تتلو «هل أتاك حديث» الغاشية»؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفني ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودّة في أعراض أخشابها النقيه، وثارت إليها
من الأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: «كأنه علم في رأسه نار». فنكّست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبّابة، وابتلي رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه:
وبالأرض من حبّها صفرةفما تنبت الأرض إلا بهارا
وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنّة والجماعة، وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع وقد ثلّت النار عرشه. كأن لم أر بها سميرا، ولا شاهدت من بنائها وقماشها جنّة وحريرا».
وقال جمال الدين عبد الله بن غانم، من كتاب عن كافل الشام، تنكز ﵀ إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة.
«وأضحى «فم الفوّارة» يصاعد جمرات أنفاس، و «سوق النّحّاسين» يرسل منه إلى سور الجامع «شواظ من نار ونحاس»، وأقعد «بيت الساعات» إلى
قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكاد يصلى من به يصلي، ويقبل على صفّ العابدين فيولّي. واهتزّت المئذنة بحمّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكريّ فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقّ صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنة بنار على علم، وما زالت مرآة اللّهب حتى خرّبت المنار، وصفّ بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار».
قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كلّ النهار وطرفي الليل، لأنه ممر المدارس والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قلّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مصلّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل لقرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل ومسؤول، ومفت ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبرد رواقاته، أوقات الهجير، وحسن مرائي ميازيبه، أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر.
وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يستقلّ به إلا ديوان ملك، وعليه جلائل الأوقاف. إلّا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبه الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عمل عليه على سبيل النّصبات.
وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، ﵀.
وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السنة. جعل لها مصارف أخذ بحجتها كل مال المسجد وغل بالباطل ورتب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحمل حتّى كلّ مطاه، وأخذت حتّى قصرت خطاه. وها هو الآن قد اختلّت أحواله، وأكلت وشربت أمواله. وأصبح نهبا مقسّما، وسواما صيح في حجراته. وآل حال مباشريه إلى أسوإ الحال وشر المآل:
وكانوا غياثا ثم أضحوا رزيّةألا عظمت تلك الرزايا، وجلّت!
وقد اتفقت كلمة السّفّار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظرائه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع