تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

قبر الخليل ﵊ وما جاوره من قبور بنيه والأزواج

وكلها داخل ذلك المسوّر، وفي حدود ذلك المكان المنوّر.

روى الحافظ أبو القاسم مكيّ بن عبد السّلام بن الحسين الرميليّ المقدسيّ، بسنده إلى كعب الأحبار، قال: أول من مات ودفن بحبرى سارة. وذلك أن إبراهيم خرج لما ماتت، يطلب موضعا ليقبرها فيه. فقدم على صفوان، وكان على دينه. وكان مسكنه وناحيته حبرى. فاشترى منه الموضع بخمسين درهما. وكان الدرهم ذلك العصر خمسة دراهم. فدفنت سارة فيه، ثم توفّى إبراهيم فدفن لصيقها. ثم توفّيت ربقة زوجة إسحاق، فدفنت فيه. ثم توفي إسحاق فدفن لزيقها. ثم توفّي يعقوب فدفن في الموضع. ثم توفيت زوجته ليقا فدفنت معهم.

فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمن سليمان. فلما بعثه الله، أوحى إليه أن ابن علي قبر خليلي حيرا حتى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يعرف.

فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس، حتّى قدم أرض كنعان.

فطاف فلم يصبه. فرجع إلى بيت المقدس. فأوحى الله إليه: يا سليمان، خالفت أمري! قال: يا ربّ، قد غاب عني الموضع، فأوحى إليه: امض، فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض، فهو موضع قبر خليلي. فخرج سليمان ثانيا، فنظر فأمر الجنّ فبنوا على الموضع الذي يقال له الرامة. فأوحى الله إليه: إن هذا ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور قد التزق بأعنان السماء. فخرج سليمان فنظر إلى النور قد التزق بأعنان السماء إلى الأرض. فبنى عليه الحير.

قلت: ولم يكن لهذا الحير باب. وإنما المسلمون لما افتتحوا البلد، فتحوا له بابا. وبناؤه بناء محكم. وفي حائطه حجارة هائلة في كبر القدر، منها ما طوله سبعة وثلاثون شبرا.

وقد أقيم بهذا الموضع خطبة ورتّب به إمام ومؤذنون.

وفي قبلته باب ينزل منه بدرج كثيرة إلى سرداب ضيّق تحت الأرض، يأخذ متشاملا إلى فجوة فيها ثلاث نصائب قبور في حائطه، يقال إنها قبر الخليل وزوجته وإسحاق.

وهناك طاقة لا يعرف إلى أين تنتهي، لكن يقال إنها إلى مغارة تحت أرض الحرم، فيها الموتى. وتلك أمثال القبور من فوق.

(ولقد أتيت إلى هذا السرداب ومشيت به زحفا، لضيقه. ولتطأطؤ سقفه، لا يقدر أحد على المشي منتصبا به. وهو خطوات يسيرة تنتهي إلى الفجوة المذكورة. وهي نحو أربعة أذرع في مثلها) وهيئة القبور في قبلة المسجد الآن قبران: الأيمن قبر إسحاق، والأيسر قبر زوجته. وفي شماليّه مما هو منفصل عن

المسجد بقبتين متقابلتين قبران: الأيمن قبر إبراهيم الخليل، والأيسر قبر سارة زوجته. وفي شمالي الحرم قبة مفردة مسامتة لقبة الخليل. وفيها قبر يقال إنه قبر يعقوب. ولا شكّ ولا ريب أن إبراهيم (صلوات الله عليه) ومن ذكر معه مدفونون داخل هذا المسوّر. وأما تعيين موضع القبر، فالله أعلم.

قال علي بن أبي بكر الهرويّ: «حدثني جماعة من مشايخ بلد الخليل أنه لما كان في زمان بردويل الملك، انخسف موضع في هذه المغارة. فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط، وعلى رؤوسهم قناديل. وهي مكشوفة.

فجدّد الملك أكفانهم ثم سدّ الموضع. وذلك سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.

حكى ذلك شهاب الدين بن الواسطيّ. قال: وقيل إن قبر آدم ونوح وسام في المغارة. قال: والمغارة تحت هذه المغارة التي تزار الآن» والله أعلم.

ووراء الحرم موضع فيه قبر ينسب إلى يوسف، ﵇. يقولون إنه لما بني المكان، أرادوا أن يجعلوا قبره داخل الحرم. فسمع بانيه وهو سليمان ﵇ قائلا يقول: دعوه خارج الحرم، فعليه خراج مصر!

(ويقال إن موسى ﵇ لما خرج من مصر، استصحب معه تابوت يوسف، ودفنه هناك قريبا من آبائه، ولم يدفنه عندهم، لما ناله من الملك. هكذا

يقال، والعهدة على قائله. والله أعلم).

قلت: وهذا الحرم مؤزر جدره بالرخام الملوّن والمذهب. وعليه أوقاف جليلة.

ويمدّ فيه كل يوم بعد العصر سماط ويفرق فيه من الخبز على الواردين بحسبهم على قدر كفايتهم.

ولقد زرت الخليل (صلوات الله وسلامه عليه) في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فأخبرني جماعة المباشرين أن في بعض ليالي من هذا الشهر في هذه السنة فرقوا زيادة على ثلاثة عشر ألف رغيف، وأن غالب أيام العام ما بين السبعة آلاف والعشرة آلاف. ويفرق أيضا مع الخبز طعام العدس بالزيت الطيّب والسّمّاق، وفي بكرة النهار يطبخ أيضا قدر من الدشيش، ويفرق على الواردين (وفي بعض الأسبوع، يطبخ ما هو أفخر من ذلك)..

وله خدّام برسم غربلة القمح وطحنه وعجنه وخبزه. لا يبطّلون ليلا ولا نهارا. وأهراء القمح والطاحون والفرن، نافذ بعض ذلك إلى بعض. بحيث إن القمح يفرّغ في الأهراء ويخرج خبزا مخبوزا. ولم يزل على هذا مدى الشهور والأعوام والليالي والأيام (لا ينقطع له مدد، ولا يحصر بضبط ولا عدد. ولما استولى الفرنج على بلد الخليل ﵇ أجروا هذا السّماط وزادوا على من كان قبلهم، وبالغوا في صلة هذا المعروف، ثم زاد ملوك الإسلام في السّماط.

وهو معروف يشمل المأمور والأمير، والغنيّ والفقير).

وقلت من قصيد مدحته، ﵊:

هذا خليل الله إبراهيم قدلاحت لنا أعلامه الشّمّ الذّرى!
هذا الذي سنّ القرى لضيوفهكرما، ولولاه لما سنّ القرى!
هذا الذي مدّ السّماط فما انطوىذاك السّماط تكرما، وسل الورى!

وقلت من أخرى:

هو ذا صاحب السّماط ولكنصاحب الحوض نجله وذووه!
ذو فناء يقرى به كلّ ضيفلم يخيّب تحت الدّجى طارقوه!
منعم سيّد جواد كريم،منذ مدّوا سماطه ما طووه

وقلت من أخرى، حين زرته في ذي الحجة سنة خمس وأربعين [وسبعمائة]:

خليل إله العرش أوّل من قرىضيوفا! وها قد جئته واستضفته
أتيت كريما لا تزال رحابهمطبّقة بالوفد حيث نظرته
دعت ناره الضّيفان في غسق الدّجىوليس سواها بارقا ثمّ شمته
فتى الجود شيخ الأنبياء جميعهمووالدهم حقّا، يقينا علمته

وقلت، عند الوداع في هذه السنة:

هذا الخليل وهذه أبناؤه!يكفيك بعد فراقه أنباؤه!
هيهات لا توفي أقلّ حقوقهولو ان جفنك لا يجفّ بكاؤه!
فامسك فؤادك إن ملكت عنانه!هيهات قد طارت به أهواؤه!
وتعزّ عن أهل الكثيب وإنمامن أين للصب الكئيب عزاؤه!

قلت: وكان قدومنا هذه المرة على الخليل ﵇ يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فبتنا ليلتنا نتبرّك بما حوت تلك القبور من العظام العظام، ونعفّر الوجوه في تلك البقعة المشرّفة في مواضع أقدام أولئك الأقوام، ثم أصبحنا وقد حمدنا السّرى عند الصّباح، وطلبنا

حوائجنا عند تلك الوجوه الصباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزتنا من النوبة الخليلية الطرب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليليّ التميميّ الداريّ. وهو بقية هذا البيت الجليل، والمنتهي إليه النظر على وقف الحبيب سيدنا محمد ﷺ وبلد أبيه إبراهيم الخليل.

والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبوي المكتتب لهم بهذه النّطية.

والمشرّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتمس، وجاء به أقرب من رجع النفس. وهو في خرقة سوداء من ملحم قطن وحرير، من كمّ الحسن أبي محمد المستضيء بالله أمير المؤمنين، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان، مشقوقان بميل أبيض، جعل ضمن أكياس يضمّها صندوق

من أبنوس يلفّ في خرقة من حرير. والكتاب الشريف في حزقة من خف من أدم، أظنّها من ظهر القدم. وقدموه سواد الجلد على الخط، لا أنّه أذهبه، وما أخفى من يد كاتبه المشرفة ما كتبه. وهو بالخط الكوفي المليح القويّ. فقبلنا تلك الآثار، وتمتعنا منه بمدد الأنوار. ومعه ورقة كتبها المستضيء بنصه شاهدة لهم بمضمونه، ومزيلة لشك الشاك المريب وظنونه: ومضمون ما كتب كهيئته وسطوره:

«نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه»

«لتميم الداريّ وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه»

«من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين عليّ وبخطه»

«نسخته كهيئته»

«بسم الله الرحمن الرحيم»

«هذا ما انطى محمد رسول الله لتميم»

«الداريّ وإخوته حبرون والمرطوم»

«وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهنّ»

«نطية بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم»

«ولا عقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم»

«لعنه الله شهد عتيق بن أبو قحافة وعمر بن»

«الخطاب وعثمان بن عفان وكتب عليّ بن»

«بو طالب وشهد»

هذه نسخة الكتاب الشريف.

و «أبو قحافة» ألف وباء وواو - ثم «قحافة» - و «بو طالب» باء وواو - ثم «طالب». وليس في «بو» ألف. بين ذلك ليعرف. و «كتب» في ذكر علي ﵁ مقدّمة، و «شهد» مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف.

وقد رأيت ذلك كله بعيني، ومن خط المستضيء نقلت. وهو خطة المعروف المألوف. وقد رأيته وأعرفه معرفة لا أشكّ فيها ولا أرتاب. وقرأته من الكتاب النبوي نفسه. وهو موافق لما كتبه المستضيء، نقلا منه. على أن آثاره كادت لتعفّى، وتحتجب عن الناس لفساد الزمان وتتخفّى.

وكان التبرّك برؤية ذلك على ظهر القبو الصغير الشماليّ، في الحرم الخليليّ الملاصق لقبر زوج يعقوب ﵇ المفضي منه إلى المئذنة بحضرة مخزن العدس.

وقد كنت رأيت ذلك مرة متقدّمة بالحصن سكن بني الخليلي، بظاهر البلد، لما أتيت زائرا بعد العود من الحجّ على الدرب المصريّ في المحرّم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ولكنّي إذ ذاك لم أنقله.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.