من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
المسجد الأقصى
معهد الأنبياء، ومتعهّد الأولياء، وثاني البيت الحرام في البناء، وأوّل القبلتين حال الابتداء. شيّدت ملوك بني اسرائيل معاهده، وشدّت بقباب البروج معاقده، ثم تدارك بنو أمية ذماءه، وصفّحوا أرضه وسماءه، وهذا هو على ما هو عليه من حمل الآلام، واختلاف دول الكفر والإسلام، ومن صخرته المقدّسة المعراج، حيث عرج بخاتم الأنبياء ﵊ من حضرة القدس إلى حضرة القدس، وبسط له بساط الأنس، ودنا من ربه مقاما لم يبلغه الخليل ولا الكليم، ولا وصل إليه ملك مقرّب ولا نبيّ كريم، وقد أمّ في ذلك المسجد بالنبيين، وصعد منه إلى أعلى عليين. وإلى صفيح تلك البقعة المحشر، ومنها يوم القيامة المنشر. والصخرة بها عرش الله الأدنى، ومقام الفخار الأسنى، وهي التي تزف إليها عروس الكعبة زفا، وتقسم الناس لشقاوة وزلفى [سره المسجد الأقصى، وقلب] الفضائل التي لا تحصى.
قد تقدّم حديث أبي ذرّ: «أوّل مسجد وضع، المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. وبينهما أربعون عاما».
وروي عن علي بن أبي طالب، قال: كانت الأرض ماء فبعث الله ريحا
فمسحت الأرض مسحا، وظهرت على الأرض زبدة فقسمت أربع قطع: خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي.
وروى ابن منده بسنده، أن كعبا قال: بنى سليمان بن داود بيت المقدس على أساس قديم، كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم.
قال ابن الجوزي: «سكن الجبّارون في الأرض المقدّسة فسلّط عليهم يوشع، ثم سلّط الكفار على بيت المقدس فصيروه مزبلة. فأوحى الله ﷿ إلى سليمان فبناه. وروي عن سعيد بن المسيب قال أمر الله تعالى داود أن يبني مسجد بيت المقدس. قال [يا] ربّ! وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه. قال: فرآه في ذلك المكان. قال: فأخذ داود فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم. فقال داود: يا رب! أمرتني أن أبني لك بيتا، فلما ارتفع هدمته. فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك. فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض، فقال:
هي بقنطار. فقال سليمان: قد استوجبتها: فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ قال: لا بل هي خير. قال: فإنه قد بدا لي. قال: أو ليس قد أوجبتها؟ قال:
بلى، ولكن البيعين بالخيار ما لم يتفرّقا. (قال عبد الله بن المبارك: هذا أصل الخيار). فلم يزل يرادّه، ويقول له مثل قوله الأوّل، حتّى استوجبها منه بسبعة قناطير. فبناه سليمان حتّى فرغ منه. وتغلّقت أبوابه. فعالجها سليمان أن
يفتحها، فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتّحت الأبواب! ففتّحت الأبواب.
قال: ففرّغ له سليمان عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار. لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله ﷿ يعبد فيه.
وقال أبو عمرو الشّيباني: أوحى الله إلى داود: إنك لن تتمم بناء بيت المقدس. قال: أي ربّ! ولم؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أي ربّ! أو لم يكن في طاعتك؟ قال بلى وإن كان.
وقال كعب: «أوحى الله تعالى إلى سليمان أن ابن بيت المقدس. فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجنّ وعظماء الشياطين. ثم فرّق الشياطين، فجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور، وفريقا يقطعون العمد من معادن الرّخام، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدّر والمرجان. وأخذ في بناء المسجد، فلم يثبت البناء. وكان عليه حير بناه داود. فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتّى بلغ الماء. فقال أسّسوا على الماء. فألقوا فيه الحجارة. وكان الماء يلفظ الحجارة، فاستشار في ذلك، فأشاروا عليه أن يتخذ قلالا من نحاس، ثم يملأها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من ذكر التوحيد، ثم يلقيها في الماء لتكون أساس البناء. ففعل، فثبت وبنى. عمل بيت المقدس عملا لا يوصف، وزينه بالذهب والفضة وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجدره. ثم جمع
الناس وأخبرهم أنه مسجد لله، وأنه هو الذي أمر ببنائه، وأنه من انتقصه أو شيئا منه، فقد ضادّ الله، وأنه كان قد عهد إلى داود في ذلك، ثم أوصى سليمان بذلك من بعده. ثم اتخذ طعاما وجمع الناس.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذابُ﴾ قال: هو سور بيت المقدس الشرقي. وقد أضربنا عن كثير مما ورد في البناء السليماني والعجائب التي كانت فيه، لعدم صحته بالنقل.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع