تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

المسجد النبويّ

على صاحبه أفضل الصلاة والسّلام

موضع منبره، وجوار مقبره، ومقام مصلاه، ودار آخرته وأولاه.

وبجانبه حجرته المعظمة، التي ضمت أعظّمه. ولله القائل:

يا خير من دفنت في القاع أعظمه،فطاب من طيبهنّ القاع والأكم!
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «شمل بفضل رسول الله ينتظم»
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه،فيه العفاف وفيه الجود والكرم!

قال أنس: «قدم رسول الله ﷺ فنزل في علوّ المدينة، في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف. فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النّجار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم. فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتّى ألقى بفناء أبي أيوب».

قال: «وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم».

ثم إنه أمر بالمسجد. فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا. فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله! ما نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى.

قال أنس: وكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب. فأمر النبي صلّى الله عليه (وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت. قال:

وصفّوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة. قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون:

اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره!فانصر الأنصار والمهاجره!

رواه البخاري ومسلم).

وروي عن الشّفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قالت: كان رسول الله ﷺ حين بنى المسجد يؤمّه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة.

قال السّهيلي: بني مسجد رسول الله ﷺ وسقف بالجريد (وجعلت قبلته من اللّبن. ويقال: بل حجارة منضودة بعضها على بعض، وحيطانه باللّبن). وجعلت عمده من جذوع النخل. فنخرت في خلافة عمر، فجدّدها.

(قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: «كانت هذه القبلة في شماليّ المسجد. لأنه ﷺ صلّى ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس.

فلما حوّلت القبلة بقى حائط القبلة الألى مكان أهل الصّفّة»).

قال أبو سعيد الخدّريّ: كان سقف مسجد النبيّ ﷺ من جريد النخل.

وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكنّ الناس من المطر. وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس!

وعن عبد الله بن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللّبن، وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا.

وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجري، وأعاد عمده خشبا. ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. (رواه البخاري في صحيحه).

وعن عكرمة قال: قال لي عبد الله بن عبّاس ولابنه عليّ: "انطلقا إلى أبى سعيد فاسمعا من حديثه". فانطلقنا. فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدّثنا حتّى أتى على ذكر بناء المسجد. فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب ويقول:

ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! قال: يقول عمار! أعوذ بالله من الفتن! " (رواه البخارىّ). وزاد معمر في "جامعه" أن عمّارا كان ينقل لبنتين لبنتين: لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ. فقال النبيّ ﷺ: "للناس أجر ولك أجران، آخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية. "

وعن خارجة بن زيد، أحد فقهاء المدينة السبعة، قال: بنى رسول الله ﷺ مسجده سبعين ذراعا، أو يزيد. فلما كان عثمان، زاد فيه. جعل طول

المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين، وجعل أبوابه ستة، كما كانت في زمن عمر. وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمّهات المؤمنين فيه، ومنها

حجرة عائشة (وهي التي دفن فيها رسول الله، ﷺ، وصاحباه ﵄. فبنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ ويؤدّي إلى المحذور الذي نهى عنه رسول الله ﷺ من اتخاذ المساجد على القبور. ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتّى التقيا. كل ذلك حتّى لا يتمكن أحد من استقبال القبر. ولهذا قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أن يتّخذ مسجدا".

ثم إن الوليد بن عبد الملك زاد فيه فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدّمه مائتين، وفي مؤخره مائة وثمانين.

ثم زاد فيه المهديّ سنة ستين ومائة، من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث.

ثم زاد فيه المأمون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه ونقش فيه: "هذا ما أمر به عبد الله المأمون" في كلام كثير.

قال العلامة أبو زكريا النّووىّ، ﵀: فينبغي للمصّلى أن يعتنى بالمحافظة على الصلاة فيما كان في زمنه ﷺ. فإن الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام" إنما يتناول ما كان في زمنه، لأنه هو الذي حصلت الإشارة إليه.

لكن إذا صلّى في جماعة، فالتقدّم إلى الصف الأول، ثم إلى ما يليه أفضل فليتفطّن لذلك.

وذرع ما بين المنبر ومقام النبيّ ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفّي، أربعة عشر ذراعا وشبر.

وذرع ما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعا وشبر.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.