تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دار النّدوة

قال الماورديّ: «لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جرهم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوى أملهم وعلموا أنهم سيقدّمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسا لنبوّة ستكون. فأول من ألهم ذلك كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبيّنا ﷺ.

ثم انتقلت الرياسة إلى قصيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم فيها بين قريش، ثم صارت لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها، ولا يعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يغدر غلام إلا فيها، ولا تدرّع جارية من قريش إلا فيها:

يشق عليها درعها ثم تدرع وينطلق بها إلى أهلها، ولا تخرج عير من قريش

ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.

قال الكلبي: «وكانت أول دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فبنوا الدور.

كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوّة وكثرة عدد، حتى دانت لهم العرب».

قال الماورديّ: صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، وجعلها دار الإمارة.

وروى الأزرقيّ أن معاوية اشتراها لما حجّ، وهو خليفة، بمائة ألف درهم.

وذكر السّهيلي أن هذه الدار صارت إلى حكيم بن خزام بن أسد بن عبد العزّى ابن قصيّ فباعها في الإسلام بمائة ألف. وذلك في زمن معاوية. فلامه معاوية في ذلك، وقال: «بعت مكرمة آبائك وشرفهم». فقال حكيم: «ذهبت المكارم إلا التقوى. والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزقّ خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أني جعلت ثمنها في سبيل الله! فأيّنا المغبون؟».

قال الحارثيّ: هي اليوم (يعني دار الندوة) في المسجد الحرام.

قال الأزرقيّ: وهي جانبه الشماليّ. وقد تقدّم ذكرها.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.