تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وأما صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة

فنقول: قد ذكر الأزرقيّ والماورديّ والسّهيليّ وغيرهم، وفي كلام بعضهم زيادة على بعض:

كان المسجد الحرام، أعني المحيط بالكعبة فناء لها وفضاء للطائفين. ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به، فضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها. وكانت الدور محدقة بالكعبة. وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية.

فلما استخلف عمر، وكثر الناس، قال: «لابدّ لبيت الله من فناء! وإنكم دخلتم عليه ولم يدخل عليكم»، فوسع المسجد واشترى تلك الدور وهدمها وزادها في المسجد، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا، دون القامة. وكانت القناديل توضع عليه. وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام.

ثم لما استخلف عثمان، ابتاع منازل ووسعه بها. وبنى الأروقة للمسجد،

فيما ذكر الأزرقيّ والماورديّ وغيرهما.

ثم إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كثيرة. واشترى دورا، من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عشر ألف دينار. وجعل فيها عمدا من الرّخام.

ثم عمره عبد الملك بن مروان، ولم يزد فيه، لكن رفع جداره، وجلب إليه السواري في البحر إلى جدّة، وسقفه بالساج، وعمّره عمارة حسنة.

ثم وسع ابنه الوليد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرّخام.

ثم زاد فيه المنصور، وجعل فيه أعمدة الرخام.

وزاد فيه المهديّ مرتين: إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سنة سبع وستين ومائة وفيها توفّي المهديّ.

واستقر بناؤه إلى الآن.

وأما الرواق فنقول: إن له سقفين، أحدهما فوق الآخر، وبينهما فرجة قدر الذراعين، أو نحوهما.

فأما الأعلى منه، فسطوحه فرش مسقف بالدّوم اليماني.

وأما الأسفل منهما، فهو مسقوف بالساج، مزخرف بالذهب.

وعدد أساطينه (وذلك من الرخام والحجر الأبيض، سوى ما جدّد في دار النّدوة وسوق الحنطة) أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة بين كل أسطوانتين

أذرع: منها في الجانب الشرقي الذي يلي المسعى مائة أسطوانة وثلاث أساطين، وفي الجانب الشمالي مما يلي الصفا مائة أسطوانة وإحدى وأربعون أسطوانة، وفي الجانب الغربيّ مائة أسطوانة وخمس أساطين، وفي الجانب الشاميّ الذي فيه دار الندوى مائة وخمس وثلاثون أسطوانة.

وفي وسط هذا الشّق أو نحوه الذي يلي المسجد سارية خمس أساطين: ذكر أنها كانت ليهوديّة فسامها النبي ﷺ فيها، فأبت بيعها إلا بوزنها ذهبا، ففعل النبيّ ﷺ ذلك، فوضعت في ميزان، ووضع مثقال واحد فرجح المثقال ببركة رسول الله ﷺ.

ومنها على باب المسجد اثنتان وعشرون، ومن ناحية المسجد ستّ، ومن ناحية الوادي والصفا عشر، ومن ناحية بني جمح أربع، ومن ناحية دار الندوة اثنان.

وفي دار الندوة سوى ما ذكرناه سبع وستون أسطوانة بالحجارة مبيّضة، وطول كلّ أسطوانة منها عشرة أذرع، وتدويرها ثلاثة أذرع، وذرع ما بين كلّ أسطوانتين ستة أذرع ونصف.

وعدد طاقاته وهي الحنايا المعقودة على الأساطين أربعمائة طاق وثمان وتسعون طاقا، سوى ما في دار الندوة.

وذرع المسجد الحرام من باب بني جمح إلى باب العباس، الذي عند العلم الأخضر، ويعرف بباب بني هاشم، أربعمائة ذراع وأربعة أذرع، وعرضه ما بين دار الندوة إلى باب الصفا ثلثمائة ذراع وأربعة أذرع.

وذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي الذي يلي المسعى مائتا ذراع

وثلاثة عشر ذرعا، ومن وسط جدار الكعبة الغربيّ إلى جدار المسجد الغربيّ الذي يلي [باب] بني جمح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعبة الجنوبيّ إلى جدار المسجد الذي يلي الوادي مائة ذراع وأحد وأربعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعبة الشماليّ الذي يلي الحجر إلى جدار المسجد الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعا، ومن ركن الكعبة العراقيّ ويقال له الشاميّ إلى المنارة التي تلي المروة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعا، ومن ركن الكعبة الشاميّ ويقال له الغربيّ إلى المنارة التي تلي باب بني سهم (وهو باب العمرة) مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا، ومن الركن اليمانيّ إلى المنارة التي تلي أجياد الكبرى وبين الحزوّرة مائتا ذراع وثمانية أذرع، ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرة تلي المسعى والوادي من ناحية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراعا.

وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا، ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعا، ومما يلي بني جمح اثنان وعشرون ذراعا، ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعا ونصف.

وعدد شرفاته من داخله وخارجه، أربعمائة وخمس وتسعون شرّافة. هذا من خارجه.

وعددها من داخله أربعمائة وثمان وتسعون شرّافة.

فجميعها ألف شرّافة إلا سبع شرّافات.

واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة، كما في قوله تعالى:

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾. إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة. وهذا هو أصل حقيقة اللفظ، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي﴾

﴿بِبَكَّةَ﴾. وبقوله ﷺ لما سأله أبو ذرّ عن أول مسجد وضع أوّل، قال: «المسجد الحرام».

وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به المسجد المحيط بالكعبة. وهو الغالب في الاستعمال على وجه التغليب المجازيّ، كما في قوله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». وقوله تعالى:

﴿سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾. على قول من روى أنه كان نائما في المسجد المحيط بالكعبة.

وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول إن المراد بالمسجد الحرام مكة، لأنه ﷺ كان نائما في بيت أمّ هانئ لما أسري به، وكما في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾.

على قول من يقول إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.

وهذا كله على وجه التغليب المجازيّ - ولا ريب فيه - وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام - والمجاز أولى منه - والله أعلم.

ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سقيا إسماعيل، وهزمة روح القدس جبريل، طعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزف ولا تذم، ولا يتوجه إليها

ذم، لقيّة عبد المطلب، ودليل سؤدده ولا كذب. وفي الحديث: «ماء زمزم لما شرب له».

قال السّهيلي: «كانت زمزم سقيا إسماعيل بن إبراهيم. فجرها له روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل ورّاثه وهو محمد وأمّته ﷺ» والقصة في ذلك معروفة.

وتلخيصها أن إبراهيم ﵇ لما احتمل إسماعيل وأمّه هاجر إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومزود تمر - وتركهما بمكة وعاد، فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدا، حتّى سمعت صوتا عند الصبّي. فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبي. فإذا الماء ينبع من تحت خدّه. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبيّ ﷺ لو تركته لكان عينا (أو قال: نهرا معينا).

قال الحربيّ: سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته.

وقال المسعودي: «سميت زمزم لأن الفرس كانت تحجّ إليها في الزمن الأول، فتزمزم عندها. والزمزمة صوت تخرجه الفرس من خياشيمها، عند شرب الماء.

وأنشد المسعودي:

زمزمت الفرس على زمزموذاك في سالفها الأقدم

وذكر البرقيّ عن ابن عباس: أنها سميت زمزم، لأنها زمّت بالتراب، لئلا يسيح الماء يمينا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض، حتى تملأ كل شيء.

وقد ذكرنا طمّ الحارث بن مضاض إيّاها. ولم تزل دارسة، حتّى أري عبد المطلب أن احفر طيبة. فسمّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات، من ولد إبراهيم وإسماعيل وقيل له: احفر برّة. وقيل: احفر المضنونة، ضننت بها على الناس إلا

عليك. ودلّ عليها بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل.

وروي أنه لما قام ليحفرها، رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم. فبينما هو كذلك، ندّت بقرة لجازرها، فلم يدركها حتّى دخلت المسجد الحرام، فنحرها في الموضع الذي رسم له. فسال هناك الفرث والدم. فحفر عبد المطلب حيث رسم له.

وقيل لعبد المطلب في صفتها: إنه لا اتنزف أبدا. وهذا برهان عظيم، لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط. وقد وقع فيها حبشيّ فنزحت من أجله.

فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين: أقواها وأكثرها ماء هي عين من ناحية الحجر الأسود. رواه الدارقطني. وروى الدارقطنيّ أيضا مسندا عن النبيّ ﷺ:: «من شرب من ماء زمزم، فليتضلّع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين. لا يستطيعون أن يتضلّعوا منها». أو كما قال. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ماء زمزم لما شرب له». وروي أن أبا ذرّ تقوّت من مائها ثلاثين، بين يوم وليلة. فسمن حتّى تكسّرت عكنه.

وذكر الزّهريّ في سيره أن عبد المطلب اتّخذ حوضا لزمزم يستقي منه،

وكان يخرّب بالليل، حسدا له. فلما غمه ذلك، قيل له في النوم: «قل: لا أحلّها لمغتسل، وهي لشارب حلّ وبلّ. وقد كفيتهم». فلما أصبح، قال: نعم. وكان بعد من أرادها بمكروه، رمي بداء في جسده، حتّى انتهوا عنه.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.