من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر الكعبة
البيت الحرام، أوّل بيت وضع للناس، ورفع على قديم الأساس، بنى مثالا للبيت المعمور، ودعي إليه كل مأمور. وأذّن إبراهيم (صلوات الله عليه) إليه بالحجّ، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج. حجّته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم. ويقال إنه لم يبق نبيّ حتى حجّه. ويعدّ عدة أنبياء دفنوا في الحجر منه. ولم تزل شعائره مكرّمه، ومشاعره محرّمه. عظّم في الجاهلية والإسلام، وحرّم من حيث بنيت الأعلام. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اَللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ﴾. وهو البيت المحجوج المحجوب، والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، (والشاهد لمن حجّ وقبّله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء. يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.﴾
﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾.
وعن أبي ذرّ الغفاريّ. قال: «قلت يا رسول الله: أيّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة». رواه البخاريّ، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد.
قال ابن جرير الطبريّ: «اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ﴾
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ فقال بعضهم: تأويله «إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للّذي ببكّة». قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض. لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومطر وسعيد (وأظنه ابن جبير) ثم قال: وقال آخرون بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في وصفة وضعه أول، فقال بعضهم:
خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسّدّيّ.
وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة، قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم، وحين أهبط قال الله: أهبط معك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين. حتى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهّره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله». وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني للبيت الذي ببكّة. قال الزمخشريّ: «وهو علم للبلد الحرام. ومكّة وبكّة لغتان، وقيل:
مكّة البلد، وبكّة موضع المسجد، وقيل: بكّة موضع البيت، ومكّة ما حوله، وقيل: بكّة البيت والمسجد، ومكّة الحرم كلّه».
وقال عطاء بن أبي رباح: وجه آدم إلى بكّة حين استوحش، فشكى ذلك إلى الله ﷿ في دعائه، فلما انتهى إلى بكّة، أنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت
الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتّى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة. حتى بعث الله ﷿ إبراهيم فبناه. فذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ اَلْبَيْتِ﴾. رواه أبو عروبة.
وروى أبو الوليد الأزرقي بسنده عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: «إنّ الله ﵎ بعث ملائكة، فقال ابنوا لي بناء في الأرض تمثال البيت وقدره، وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، قال: وكان هذا قبل خلق آدم، ﵇، والله أعلم!
وقيل إن آدم أول من بناها، وقيل شيث بن آدم، وكانت قبل بنائه خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم».
وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: ذكر لنا أن قواعد البيت من حراء، وذكر لنا أن البيت من خمسة أجبل: حراء ولبنان والجوديّ وطور سيناء وطورزيتا.
وقال ابن جريج: بني أساس البيت من خمسة أجبل، (فذكر مثله).
وحكى السّهيليّ أن الملائكة كانت تأتي إبراهيم ﵇ بالحجارة.
وقيل رفعت الكعبة في الطوفان وأودع الحجر الأسود أبا قبيس، وبقي موضعها ربوة، حجها هود وصالح، فيقال إن يعرب قال لهود: ألا تبنيه؟ قال إنما يبنيه نبيّ يتخذه الله خليلا، ولما بناه إبراهيم دلّته عليه السكينة، وكانت تنزل عليه كالحجفة.
وقال الأزرقيّ: لما بنى إبراهيم ﵇ الكعبة، جعل طول بنائها في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وكانت غير مسقوفة، ثم بنتها قريش في الجاهلية، فزادت في طولها في السماء تسعة أذرع، فصار ارتفاعها في الهواء ثمانية عشر ذراعا، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحجر.
ولم تزل كذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفاعها في الهواء تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا.
ثم بناها الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، فلم يغير ارتفاعها، ونقض الحجر وأعاده كما كان في الجاهلية.
واعلم أن الكعبة بنيت في الدهر خمس مرات:
«إحداهنّ، بناء الملائكة أو آدم أو شيث، على ما تقدم.
الثانية بناء إبراهيم.
الثالثة بناء قريش. والسبب في ذلك أن الكعبة استهدمت، فكانت فوق القامة. فأرادوا تعليتها. وكان بابها لاصقا بالأرض في عهد إبراهيم وعهد جرهم إلى أن بنتها قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم! ارفعوا باب الكعبة، حتى
لا يدخلها أحد إلا بسلّم! فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها، وجعلت لها سقفا، ولم يكن لها سقف. وزادت ارتفاعها، كما تقدّم. وكان عمر النبيّ ﷺ إذ ذاك خمسا وعشرين سنة، وقيل خمسا وثلاثين. فحضر البناء وكان ينقل الحجارة معهم، كما ثبت في الصحيح. وتنافست قريش فيمن يضع الحجر الأسود موضعه من الركن. ثم رضوا بأن يضعه النبيّ ﷺ.
الرابعة بناء عبد الله بن الزبير. والسبب في ذلك، على ما ذكر السهيليّ، أن امرأة أرادت أن تجمّر الكعبة، فطارت شررة من الجمرة في أستار الكعبة، فاحترقت. فشاور ابن الزبير من حضره في هدمها فهابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يصلح ما وهي منها ولا تهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها. فهدمها حتّى أفضى إلى قواعد إبراهيم. فأمرهم أن يزيدوا في الحفر. فحرّكوا حجرا منها. فرأوا نارا وهولا أفزعهم. فبنوا على القواعد.
وفي الخبر أنه سترها وقت في حفر القواعد. فطاف الناس بتلك الستارة. ولم تخل من طائف. حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير، اشتدّ الحرب وشغل الناس حينئذ، فلم ير طائف يطوف بها إلا جمل. وتمم بناءها وألصق بابها بالأرض. وعمل لها خلفا أي بابا من ورائها وأدخل الحجر فيها. وذلك لأن خالته عائشة ﵂ حدّثته أن رسول الله ﷺ قال: ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة حين بنوا الكعبة، فاقتصروا على قواعد إبراهيم. ثم قال: لولا حدثان قومك بالجاهلية، لهدمتها وجعلت لها خلفا وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر. فقال ابن الزبير: فليس بنا عجز عن النفقة. فبناها على مقتضى حديث عائشة».
وحكى أبو الوليد الأزرقيّ أنه لما عزم على هدمها، خرج أهل مكة إلى منى. فأقاموا بها ثلاثا. خوفا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها. فما اجترأ على ذلك أحد. فعلاها بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي أحجارها. فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء، صعدوا وهدموا. فلما تمّ بناؤها خلّقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها القباطيّ. وقال:
من كانت لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر فليذبح شاة، ومن لم يقدر عليها فليتصدّق بوسعه.
وخرج ابن الزبير ماشيا، وخرج الناس مشاة. فاعتمروا من التنعيم، شكرا لله تعالى. فلم ير يوم أكثر عتيقا وبدنة منحورة وشاة مذبوحة وصدقة من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة.
قال السّهيلي: «ولما قام عبد الملك بن مروان في الخلافة، قال: لسنا من تخليط أبي خبيب بشيء (يعني عبد الله بن الزبير) فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ إلا في ارتفاعها. ثم جاء الحارث بن أبي ربيعة المخزوميّ ومعه رجل آخر، فحدّثاه عن عائشة عن رسول الله ﷺ بالحديث المتقدّم، فندم وجعل ينكت بمخصرة في يده الأرض، ويقول:
«وددت أني تركت أبا خبيب وما تحمّل من ذلك».
وتولّى البناء - في زمن عبد الملك بن مروان - الحجاج بن يوسف الثقفي.
وهو البناء الخامس الموجود الآن.
(والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها. وأعاد الركنين، وسدّ الباب الذي فتحه ابن الزبير. وسدّه بيّن إلى الآن. وجعل في الحجر من البيت دون سبعة أذرع. وعلامة ذلك في داخل الحجر لوحان من مرمر منقوشان متقابلان في الجانبين. وصار عرض وجهها، وهو الذي فيه الباب، أربعة وعشرين ذراعا.)
وقيل إن الكعبة بنيت مرتين أخريين، غير الخمس.
إحداهما بناء العمالقة بعد إبراهيم،
والثانية بناء جرهم بعد العمالقة.
قال السهيليّ: إنما كان ذلك إصلاحا لما وهي منه لأن السيل كان قد صدع حائطه. وكانت الكعبة بعد إبراهيم ﵇ مع العمالقة وجرهم إلى أن انقرضوا. وخلفتهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم: لكثرتهم بعد القلّة، وعزهم بعد الذّلة. وكان أول من جدد بناءها، بعد إبراهيم، قصيّ بن كلاب.
وسقفها بخشب الدّوم وجريد النخل.
وروى الطبرانيّ عن أبي سعيد الخدريّ - مرفوعا - أن أول من جدّر الكعبة بعد كلاب بن مرّة قصيّ.
وحكى السّهيليّ أن أول من اتخذ للكعبة غلقا تبّع. ثم ضرب لها عبد المطلب بابا من حديد، وهي الأسياف القلعية التي كانت مع الغزالين الذهب.
وهو ما استخرجه عبد المطلب من بئر زمزم، لما احتفرها بعد ما طمّها الحارث بن مضاض، لما أخرج الله جرهم من مكة بسبب إحداثهم في الحرم واستخفافهم بالحرم وبغي بعضهم على بعض. فتغوّر ماء زمزم. وعمد الحارث إلى ما كان عنده من مال الكعبة وفيه غزالان من ذهب وأسياف قلعية، كان ساسان أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. وجاء تحت الليل ودفن ذلك في زمزم، وعفّى عليها.
ولم تزل دارسة حتّى حفرها عبد المطلب واستخرج ذلك مما هو مذكور في موضعه.
واتخذ عبد المطلب من الغزالين المذكورين حلية للكعبة. فهو أول ذهب حلّيت به الكعبة.
فلما جاء الإسلام وآلت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك، بعث رسالة إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسريّ بستة وثلاثين ألف دينار فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى الميزاب، وعلى الأساطين التي في جوفها، وعلى الأركان. وهو أول من ذهّب البيت في الإسلام.
وذكر السّهيليّ أن الذي عمله الوليد هو ما كان من مائدة سليمان بن
داود ﵉ من ذهب وفضة، حمل إليه من طليطلة، من جزيرة الأندلس. وكانت لها أطواق من زبرجد وياقوت. وكانت قد احتملت على بغل قويّ، فتفسّخ تحتها.
ثم لما آلت الخلافة إلى الأمين، رفع إليه أنّ الذهب الذي عمله الوليد رقّ.
فأرسل إلى عامله على ضواحي مكة، سالم بن الجرّاح، بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح على باب الكعبة. فقلع ما كان على الباب من الصفائح وزيد عليها ثمانية عشر ألف دينار. وضرب الصفائح والمسامير وحلقتي الباب والعتبة. فالذي كان عليه من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال.
قلت: ثم جدّد الباب الشريف في الأيام الزاهرة الملكية الناصرية سقى الله عهدها. عمل بمصر مصفّحا بالفضة. وأنا كتبت نسخة ما كتب عليه. وجهّز به برس بغا الناصريّ.
قال الأزرقي: وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأبيض والأخضر والأحمر في جوفها. فوزّر به جدرانها، وفرشها بالرخام. فجميع ما في الكعبة من الرخام هو من عمل الوليد. وهو أول من فرشها بالرخام وأزّر به جدرانها.
قلت: ثم تقلّع غالب ذلك. وغالب ترخيمها وما فيها الآن من آثار المظفر يوسف بن عمر بن رسول، صاحب اليمن. واسمه في الرخام داخل الكعبة،
حيث يصلّي المصلّي، بين العمودين تجاه وجهه في الجدار المتصل بالركن اليمانيّ.
واختلف أهل السّير في أول من كسا الكعبة بالديباج.
فقال ابن إسحاق: هو الحجاج بن يوسف. وقال ابن بكّار: هو عبد الله بن الزبير. وقال الماورديّ: أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة تحمل البز وأخذ فيها أنماطا، فعلقها على الكعبة. وذكر جماعة - منهم الدارقطنيّ - أن نتيلة بنت جناب أمّ العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلّت العباس صغيرا. فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج.
وحكى الأزرقي أنّ معاوية كسا الكعبة الديباج. قال: وكانت تكسى يوم عاشوراء. ثم إن معاوية كساها مرتين.
ثم كساها المأمون ثلاث مرات. فكان يكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطيّ يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من
رمضان.
وهذا الأبيض ابتدأه المأمون سنة ست ومائتين حين قالوا له: الديباج الأحمر يتخرّق قبل الكسوة الثانية. فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة. فقالوا:
الديباج الأبيض. ففعله.
قلت: وهي الآن تكسى في العام مرة واحدة في وقت الموسم. وتحمل إليها الكسوة من الخزانة السلطانية بالديار المصرية، صحبة الركب. فيتولّى ذلك أمراء الركب. ويحضرون بأنفسهم فتكسى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها. ويأخذون في كل قطعة منها أوفر الأعواض. وتحمل إلى سائر البلاد للبركة.
(وعهدي بصاحب اليمن يبعث إليها كسوة، فتلبس تحت الكسوة المصرية.
وهما سوداوان من الحرير الأسود، بكتابة بيضاء، فيها آيات جاءت في القرآن في ذكر الكعبة).
ولما حججت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، صعدت أنا وأمراء الركب المصريّ لتلبيس الكعبة الشريفة، حتّى كنّا على سطحها. فرأيته مبلّطا بالمرمر والرخام الأبيض. ومن جوانبه جدر قصار فيها حلق لمرابط الستور، تجرّ فيها الكسوة بحبال، ثم تربط في تلك الحلق.
وأنا أحمد الله، إذ بيدي توليت خلع الكسوة العتيقة عنها وتلبيسها الكسوة الجديدة.
وحملت الكسوة العتيقة في تلك السنة إلى السلطان بمصر، لتجهّز
إلى السلطان أبي الحسن المريني مع ما يجهّز عوض هدية بعثها في هذه السنة، صحبة مريم زوجة أبيه وعريف السّويديّ وجماعة من أكابر دولته.
وعوّض بنو شيبة والأشراف عنها من بيت المال بمصر.
والعادة الجارية أن تغسل الكعبة المعظمة بماء زمزم في السابع والعشرين من ذي القعدة، وتشمّر ستورها. وتلبّس يوم الأضحى، وتغسل بماء الورد عند عود الركب من منى، أوان منصرفهم.
وكلّ ذلك حضرته في هذه السنة وتوليته بيدي. ولله الحمد!.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع