من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
فأمّا جبال مكّة
فأعظمها وأحقها بالتقديم وإن بعد عن مكة جبل عرفات، موقف الحجيج الأعظم، وركن الحج الأكبر.
ومنها جبل أبي قبيس ولونه أدكن إلى البياض قليلا، وإنما قيل له أبو قبيس لأن الحجر الأسود اقتبس منه وقيل هو اسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس عرف به لأنه أول من بنى فيه، كذا قال الزمخشري، وقال أبو القاسم السّهيلي: عرف برجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن مضاض، وبين ابنة عمه ميّة فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسا، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبره، فإمّا مات، وإمّا تردّى،
فسمي الجبل أبا قبيس، وقال ابن عباس: هو أول جبل وضع على الأرض، رواه أبو عروبة وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال الزمخشريّ: كان يسمّى في الجاهلية الأمين، لأن الركن كان مستودعا فيه، عام الطوفان، وفي أعلاه منار إبراهيم ﵇، وقد جاء في بعض الآثار أن ذلك المنار على الموضع الذي نادى منه إبراهيم الخليل ﵊ بحجّ بيت الله الحرام، والأكثر أنه نادى من أعلى المقام، وفي أصله الصفا، ومنه يصعد إليه من ناحية المسجد، ويصعد إليه أيضا من شعب أجياد الصغير، وأبو قبيس أحد الأخشبين، وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام، وهو بإزاء الركن الأسود من الكعبة.
وجبل الخندمة وهو على أبي قبيس من ناحية المشرق، وهو جبل أحمر محجّر، فيه صخرة كبيرة شديدة البياض كأنها معلّقة، تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من بعيد تبدو من المسجد من باب السّهميّين الصغير، وفي هذا الجبل خصن أهل مكة، إذ أحاط بهم القرامطة وقلعوا الحجر الأسود وأخذوا الشمسة وجميع ما كان في الكعبة، إلى أن ردّه الله إلى موضعه، على يد ولد
الذي قلعه، وتحت هذا الجبل شعب عليّ بن أبي طالب ﵁.
والجبل الأبيض، الذي على الأبطح إلى باب المعلى يسمى عاضرة.
والجبل الآخر، على الحجون ووجهه إلى قعيقعان، على قبر عبد الله بن الزبير، والأخاشب والجباجب، جبال مكة، وفيه الثّنية، وهي العقبة، وعند أصله بقيع مكة، ومن هذا الجبل إلى الجبل الأبيض بنى المقتدر السور، وجعل له بابا من حديد وهو المعروف بباب منى، وشعب المحصّب.
وجبل قعيقعان، وهو يقابل أبا قبيس من ناحية الشمال، وهو جبل أخضر يقابل من الكعبة ما بين الركن العراقيّ والميزاب، وهو حدّ أخشبي مكة.
وجبل أجياد، إنما سمي بأجياد لأن الله تعالى لما أذن لإبراهيم وإسماعيل
برفع القواعد من البيت، أعطى كل واحد منهما كنزا من كنوزه، فأوحى الله إلى إسماعيل: «إني معطيك كنزا من كنوزي، لم أعطه لأحد قبلك، فاخرج فناد بالكنز، يأتك»، قال فخرج إسماعيل - وما يدري ذلك الكنز ولا يدري كيف الدعاء به - حتى أتى أجياد، فألهم الله إسماعيل الدعاء بالخيل: «يا خيل الله أجيبي!» فلم يبق في بلاد العرب كلها فرس إلا أتاه وذلّله الله له، وأمكنه من نواصيها، قال ابن عباس: فذلك سمّي ذلك الموضع بأجياد، وكانت الخيل قبل ذلك كسائر الوحوش، فقال شاعر قصير يرتجز بذلك:
أبونا الذي لم تركب الخيل قبلهولم يدر خلق قبله كيف تركب!
وجبل ابن عمران، وهو الجبل الأسود الذي بين أبي قبيس وأجياد، وهو خلفها، يظهر على بعد كأنه بينهما، يقابل من الكعبة الشقّ اليمانيّ.
فهذه الجبال المحيطة بالمسجد الحرام.
ثم في العطف في آخر ذي طوى في طريق التنعيم جبل البكاء، وقربه على يسار المارّ إلى التنعيم، الحجر الذي قعد عنده رسول الله ﷺ مستريحا عند إقباله من العمرة، فلان فيه موضع رأسه، حتى استند إليه، وهو مشهور يقعد الناس عنده، عند انصرافهم من العمرة، وعند جبل البكاء تحته ما
يلي الغرب.
قال الفاكهيّ: «وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منار مسجد التنعيم وجميعه نحو من مائة سقاية، وفي أصله مما يلي الشمال مياه، وكانت قديما بساتين، والوادي أسفل منها في المحجة، كل ذلك على يمين المار إلى التنعيم».
وشامة وطفيل، تحت الثّنية السفلى غربيّ ذي طوى،
ومن ناحية الشرق في طريق منى جبل ثبير، وهو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عطف وادي إبراهيم ﵇ من يسار المار إلى منى.
(قال السهيليّ: «عرف برجل من هذيل مات فدفن به فعرف به الجبل»، وقال الزمخشريّ: «ثبيران جبلان مفترقان تصب بينهما أفاعية، وهي واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غينا وللآخر ثبير الأعرج»).
ثم جبل حراء، وهو على يسار المارّ إلى منى أيضا، وهو الجبل الذي كان حبّب إلى رسول الله ﷺ الخلوة فيه، حتّى أتاه الوحي، وليس فيه غار، إنما كان فيه موضع منهل شبيه بالحوض في أصل صخرة عظيمة في أعلى الجبل.
وجبل ثور ليس في جبال مكة أعلى منه ولا أوعر، (وهو خلف مكة على طريق مكة يسمّى ثور أطحل) وصفة الغار في جانب منه، في أعلاه دون الثنية قليلا، وفيه نزل جبريل على النّبي ﷺ، وصفة الغار أنه مستطيل من ناحية الغرب إلى الشرق، وليس بغائص إلى أسفل، طوله ثلاثة وعشرون شبرا، وعرضه تسعة أشبار إلا ثلثا، وله باب ثان في آخره، من ناحية الشرق، وهو الذي فتحه جبريل ﵇ حين ضربه بجناحه إلى الصخرة، فانفتح هنالك باب طوله ستة أشبار وعرضه أربعة، ومنه خرج نوح ﵇، يوم خرج إلى المدينة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع