من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل السادس في أحوال الأرض
هذا فصل قصدنا إفراده، لنزيده وضوحا، وسنذكره جملة وتفصيلا، ونستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار، والبحيرات، والمساجد الثلاثة، وما يندرج معها، وذكر جمل من الآثار القديمة.
فنقول وبالله التوفيق:
إنّه لما كانت الأرض وما عليها من المركبات من الطبائع الأربع، وهي: التراب، والماء، والنار، والهواء، نظرنا إلى تلك المركبات، فوجدنا ما غلب عليه عنصر الهواء (كالطير) فكان في الهواء مقرّه، وما غلب عليه عنصر الماء (كالسمك) فكان في الماء مقرّه، ووجدنا الطير، وإن طلب مركزه المركّب منه أكثر أجزائه وهو الهواء، والسمك وإن طلب مركزه المركّب منه أكثر أجزائه وهو الماء، لم نجد واحدا منهما ولا شيئا من الحيوان مطلقا يطلب النار ويماسّها، إلاّ السّمندل وهو نادر، ووجدناه يطلب الأرض ويماسّها كالطير إذا حطّ إلى الأرض، والحوت إذا أوى بيته، فعلمنا حينئذ أنّهما من لوازم الأرض.
فبالأولى أن يكون من لوازمها، ما غلب على عنصره التراب، كالإنسان، ويدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾.
فغلّب حكمها على بقيّة العناصر، في خلق الإنسان، فقال: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ إشارة إلى التراب، وجعلها البداية والنهاية، قال: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾، ثم أكد لها التغليب على بقية العناصر الثلاثة التي لا تقوم المركّبات إلاّ بها، بقوله: ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾، فجعل منها النشأة الأولى في أول الخلق، والثانية في المعاد، وما بينهما، وهو الموت.
فإن اعترض معترض بالسمندل وأنه يأوي النار، قلنا: هذا شاذ نادر، والشاذّ النادر لا حكم له.
وإذا قد تبين أنّ التراب في تركيب الإنسان أكثر، علمنا أنها مركزه: منها الميلاد، وإليها المعاد.
فعلمنا ضرورة أنّ الأرض أمّ البشر، أخرجهم من بطونها، فكانوا كالولدان لها، وقوت المولود، ثدي الأم، وهو: ما أخرجت لنا من نباتها.
فعلم حينئذ أنّ نوع الإنسان من لوازمها، يطلب مركزه منها: لما فيه من ثقل التركيب بها، ألا ترى أن النار ولو عكست، أبت إلّا طلب العلوّ: تطلب مركزها، والقربة المنفوخة التي قسرت بقاسر إذا أطلقت، طلب الهواء المملوءة به العلوّ،
يطلب مركزه، والماء لا يجري إلاّ من العالي إلى المنخفض من الأرض، يطلب مركزه، وكذلك التراب، حيث رميت به الجوّ، ينحطّ إلى الأرض: يطلب مركزه.
فهكذا الإنسان: لا يطلب إلاّ مركزه، وهو التراب: إذا كان أكثر أجزائه من التراب: وإلى هذا أشار الشريف بقوله: «والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثّقل» وقد ذكرناه آنفا.
ولهذا لم يقدّروا في المركبات وجود الاعتدال المتساوي في أجزاء التركيب: إذ لو كانت كذلك، لجذبتها العناصر الأربعة، جذبا متساويا، فلم يكن له مركز خاص، وذلك محال.
وأقلّ أجزاء العناصر في الحيوان غالبا، النار، ثم يتفاوت الحيوان في ذلك، ولهذا تقوى [الحيوانات] على النار قوّتها على الماء والتراب والهواء، ثمّ يتفاوت الحيوان في ذلك، مال كلّ إلى ما غلب على تركيبه، ولا يهاب الحيوان شيئا يقتحمه، كما يهاب اقتحام النار، ولهذا كانت النار العذاب الموعود به: لمنافرة ما بينهما وبين الحيوان، لقلّة موجودها به في جزء التركيب، كما أشرنا إليه، والله يفعل ما يشاء لا رادّ لأمره، ولا معقّب لحكمه.
فلمّا كان الإنسان، ما غلب على تركيبه، أرضيا ترابيا، من الأرض مبدؤه، وإليها معاده ثمّ منها عوده، كما قال تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾، اضطرّ إلى مركزه، واحتاج إلى الاضطراب في أرجاء الأرض، للكسب: إمّا للصيد، وهو أول رتب المعاش، أو الزراعة، وهي ثاني رتب المعاش، أو التجارة، وهي ثالث رتب المعاش، على ما يأتي بيانه، فلم يكن له غنى عن معرفة جهات الأرض، ليمتدّ فيها لأسباب
معاشه، فيما ذكرناه أو غير ذلك، مما يتفرّع منه أو يترتّب عليه.
زعموا أنه لو وقع إنسان إلى برّية يهماء، لا ساكن بها، لم يكن له دأب إلّا طلب سبب البقاء، بما يصيد منه ليأكل، فإذا أكل، طلب ما هو أزيد سببا، فزرع، فإذا زرع، طلب ما هو أزيد سببا، فتاجر، ثم تفرّع معاشه، وتشعّبت أسبابه، فاحتاج حينئذ إلى معرفة أجزاء الأرض وعوالمها، ليعرف أين كسبه، ومن أين معاشه، ولا يمكنه أن يقصد أرضا في برّ ولا بحر، إلا بأعلام دالّة عليها، كالنجوم اللائحة، والجبال الماثلة، والأنهار الجارية، والأهوية الهابّة، وليس هذا موضع ذكرها، لكنا نذكرها، إن شاء الله تعالى، عند ذكر معرفة القبلة في كل أرض.
وإنّما نذكر ههنا ما هو لائق به، وهو ما هو جمليّ من أحوال في الأرض لازمة لها، من بعضيّاتها المشهورة في جميع الأقطار: كالجبال العظيمة، والأنهار المتبحّرة، فأما البحار، فإننا قد أفردناها بذاتها، وسيأتي ذكرها في موضعه، ولم نذكرها هنا مع الأرض، كما نذكر الجبال والأنهار، لأنّ الجبال والأنهار من عالم الأرض، وأمّا البحار، فإنها عالم آخر، أكبر من عالم الأرض، بما لا نسبة بينهما، فوجب إفرادها بذاتها، إذ كانت كشيء آخر.
ونحن نقدّم الجبال على الأنهار، لأنها أعلى أعلاما، وأثبت في مواضعها مقاما، وأكثرها على حالها، لا تتغيّر دواما.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع