من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل الأول في كيفية الأرض ومقدارها
الذي نبدأ به، بعون الله وقدرته، في القول في هذا الفصل، ما قام عليه البرهان، وهو أن العالم كري ويدل عليه المشاهدة بالعيان، لمن رعى الشمس من مطلعها إلى مغيبها، وكذلك النجوم من مشارقها إلى مغاربها، لأنها تطلع حتّى تتوسّط السماء تقويسا، ثم تنحطّ حتّى تغيب عن العين كذلك، فتقطع نصف دائرة، فعلم بالضرورة أنها تقطع في الغيبوبة عن العين نصف دائرة، نظير ما قطعت في الظهور، ليكمل تمام الدائرة.
والذي تلخّص من أقوال أهل العلم والنظر في الهيئة: أن العالم كرة، والأرض مركزها، والماء محيط بها لا يفارقها، إلا ما انكشف.
فالأرض في جوف الماء، والماء في جوف الهواء، والهواء في جوف الفلك: كالمحّة في جوف البيضة في القشر.
ووضعها وضع متوسّط، والهواء إما جاذب لها إلى جهة الفلك أو دافع عنه،
وذهب بعضهم إلى أنها مستقرة بالوضع: فالأرض في فلك الماء، وفلك الماء في فلك الهواء، وفلك الهواء في فلك النار (وهو الأثير)، وفلك النار في فلك القمر، وفلك القمر في فلك عطارد، وفلك عطارد في فلك الزّهرة، وفلك الزّهرة في فلك الشمس، وفلك الشمس في فلك المرّيخ، وفلك المرّيخ في فلك المشتري، وفلك المشتري في فلك زحل، وفلك زحل في فلك البروج (وهو المكوكب)، وفلك البروج في الفلك الأطلس.
والمكوكب في رأي فلاسفة الإسلام أنه المعبّر عنه عند أهل الشريعة الشريفة بالكرسيّ، وأن الأطلس هو المعبّر عنه عندهم بالعرش.
وحركات الأفلاك الثمانية في فلك القمر إلى المكوكب، من الغرب إلى الشرق، ويرى هذا بالمشاهدة في طلوع القمر.
ولهذا كان تخريج الأقاليم من الغرب إلى الشرق بالمتابعة.
فأما التاسع، الأطلس، فحركته من الشرق إلى الغرب، وبحركته تتحرك، كما يتحرك راكب السفينة بحركة السفينة،
وقد تكلّمت الفلاسفة على مقعّر الأطلس، ولم يتكلموا على محدّبه، وغاية ما قالوا: إنّ بعد التاسع، لا خلا ولا ملا، وإلى هنا انتهى علمهم وانقطع نظرهم، والله أعلم بغيبه!
قلت: وزعموا أنّ في الثامن كلّ الكواكب إلّا السبعة،
قالوا: والبرهان على أنها في الثامن، أنّ حركات هذه الكواكب الستة أسرع من حركات سائر الكواكب، والكوكب لا يتحرّك إلا بحركة فلكه، ولا يمكن أن يكون في التاسع، لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة بالتقريب دورة واحدة، فإذا لم يكن في أحد السبعة ولا في التاسع، لم يبق إلا أن يكون في
الثامن.
على أن ابن سينا قد قال في الشفاء: «لم يبن لنا بيانا واضحا أن الكواكب الثابتة في كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض، إلا بإقناعات، وعسى أن يكون ذلك واضحا لغيري».
وقد شبّه بعضهم العالم، فقال: «بطيخة في بركة ماء، فالبزر المدن، وبيوت البزر العمران، واللحاء مجموع الأرض، والماء البحر المحيط، ومقعّر البركة الهواء، ودائرها الخارج الفلك».
قلت: وهذا التشبيه ليس بشيء.
وقال الشريف الإدريسي في كتاب رجار (واسم هذا الكتاب: «نزهة
المشتاق في اختراق الآفاق» صنّفه للملك رجّار صاحب صقلّيّة، وكان فرنجيا محبّا للعلم وأهله من كل ملة)، والذي قاله: «الأرض مستقرة في جوف الفلك، وذلك لسرعة حركة الفلك، وجميع المخلوقات على ظهرها، والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثّقل، بمنزلة [حجر] المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه، فالأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهذا هو طول الأرض، وهو أكبر خط في الأرض، كما أن منطقة فلك البروج أكبر خطّ في الفلك».
قال: «واستدارة الفلك في موضع خطّ الاستواء ثلثمائة وستون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والإصبع ستّ حبّات شعير، مصفوفة، ملصقة بطون بعضها لظهور بعض فتكون بهذه النسبة إحاطة الإرض مائة ألف ألف ذراع واثنين وثلاثين ألف ألف ذراع، وهي من الفراسخ أحد عشر ألف فرسخ»، وقال الشريف: «وهذا بحساب أهل الهند، وأما هرمس فإنه قدّر إحاطة الأرض، وجعل لكل جزء مائة ميل، فتكون ستّة وثلاثين ألف ميل، وتكون من الفراسخ اثني عشر ألف فرسخ».
قلت: فالتفاوت بين الحسابين ألف فرسخ، زائدة في حساب هرمس على حساب أهل الهند، وذلك نصف السّدس.
وقد زعم مرحبان الفيلسوف أن إردسناس الحكيم قال: إنها مائتا ألف وخمسون ألفا أشتياديوات، وأشتياديو هو ثمن ميل، عنه أربعمائة ذراع
عندهم، فذلك أحد وثلاثون ألف ميل ومائتا ميل وخمسون ميلا.
وقد ذكر صاحب المجسّطي أنّ دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل وثلاثون ميلا، وأن قطرها [وهو] عمقها سبعة آلاف ميل وستمائة ميل وثلاثون ميلا.
(قال فريد زمانه، علاء الدين أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، عرف بابن الشاطر: «الأولى أن يقسم دور كرة الأرض على ثلاثة وسبع لأنه نسبة قطر كل دائرة إلى محيطها، وهو أصحّ، وعلى هذا فيكون الدور أربعة وعشرين ألف ميل، ويكون القطر سبعة آلاف وستمائة وستا وثلاثين ميلا وثلث خمس مجبورا.
(قلت): وذكر صاحب كتاب الكمائم أن طول الأرض ظاهرا وباطنا، وبرّا وبحرا معمورا وغير معمور، أربعة وعشرون ألف ميل، قال: «وهي التي تقطعها الشمس بين نهارها وليلها».
وذكر أبو عبيد البكري في كتاب «المسالك والممالك» أن حبيشا المنجّم ذكر عن خالد بن عبد الله [المروزي] أنه أخذ ارتفاع القطب لعبد الله المأمون ببريّة ديار ربيعة وهي برية شيحان المقاربة لسنجار، فوجد مقدار درجة من الفلك ستة وخمسين ميلا من الأرض، فضرب العدد في ثلثمائة وستين، التي هي جملة درج الفلك بمجموعة، فانتهى ذلك إلى أربعة وعشرين ألف ميل ومائة ميل وستين ميلا، قال: «فهو دور كرة الأرض المحيطة بالبرّ والبحر».
فقطرها على هذا ستّة آلاف ميل وأربعمائة ميل وأربعة وعشرون ميلا ونصف ميل ونصف عشر ميل، بالتقريب.
قال: «والمعمور نصف هذا المحيط، من خط الاستواء إلى الشمال، ومنها
العمران في الشمال يؤول في برطانية، فيكون ذلك تقدير الربع»،
(قال ابن الشاطر: «إنّ واجب الحساب، على ما ذكر، عشرون ألف ميل ومائة وستون ميلا، وإنّ القطر يكون ستة آلاف وأربعمائة ميل وأربعة عشر ميلا ونصف ميل مجبورا»).
قلت: والذي حرر في زمن المأمون، لكل درجة، ستة وخمسون ميلا وثلثا ميل، وبعض الذين حرروا ذلك رأوا أنه ستّة وخمسون ميلا، لا غير.
ولعل الأوّل أقرب، لأنه قد يكون هذا الكسر أهمل في القياس، وعلى الأول الأكثر، وعليه عملنا في هذا الكتاب، وسيأتي في ذكر سواء الطريق إيضاحه، إن شاء الله في مكانه، ولم نعمل على ما حرر للمأمون دون ما حرّره القدماء، إلا لأنّه أقرب إلينا وأشبه بنا.
وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع مأموني، فالدرجة تسعة عشر فرسخا إلا تسع فرسخ، وهو الذي عليه عمل هذا الكتاب.
وأمّا على رأي القدماء، فتكون كلّ درجة اثنين وعشرين فرسخا وتسعي فرسخ، وأما البريد، فكلّ أربعة فراسخ بريد.
وأمّا العمران من الأرض، فقال البكريّ: تقدير الرّبع - وقد ذكرنا ما قاله آنفا - وقال آخرون: الثّلث، وقال بعضهم: إن العمران من الأرض ما بين الثّلث إلى الرّبع، أقل من الثّلث وأكثر من الرّبع.
وقال شيخنا، فريد الدهر، ووارث العلم والحكمة، شمس الدين، أبو الثناء محمود بن [عبد الرحمن] أبي القاسم الأصفهانيّ، أطال الله مدّته: إنّ لعلامة قطب الدين الشيرازيّ قال له إنه حرّر دور المعمورة من الأرض، فكان ثني عشر ألف ميل مجبورة، قطرها أربعة آلاف ميل مجبورة، فتكون ألف فرسخ وثلثمائة فرسخ مجبورة.
(قال ابن الشاطر: «وفي الذي ذكره الشيرازيّ ما لم يفهم معناه، فإن كان أراد به ما بين أول المعمور وآخره، فهو غير موافق ولا يطلق عليه محيط، وإن كان أراد بالقطر ما بين خطّ الاستواء ونهاية المعمور في جهة الشمال، فهذا لا يقال له قطر، ولا يفي المعمور بمقدار ما ذكره، ولا نسبة لما ذكر أنّه ذرع القطر إلى ما ذكر أنّه دور المعمورة نسبة قطر الدائرة إلى محيطها»، وقال: «وإذا فرضنا مبدأ
العمارة خط الاستواء بخمسة عشر جزءا إلى حدود خمسين جزءا وثلث في الجهة الشمالية كان نسبة المعمور إلى باقي بسط كرة الأرض تقارب الثّمن ونصف السّدس، وإذا نسب .... إلى حدود ستة وستين جزءا كان نسبة المعمور إلى باقي،،، يقارب الربع، لأن ما وراء .... من الخراب يقارب ما قبل .... من المعمور، ولا يكون أكثر ....»)
وقال الشريف: «إن بين خط الاستواء وبين كل واحد من القطبين، الجنوبيّ والشماليّ، تسعين درجة، واستدارتها عرضا مثل ذلك، إلّا أنّ العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وستون درجة، والباقي من الأرض خلاء، لا عمارة فيه، لشدّة البرد والجمود، والخلق بجملته على الرّبع الشماليّ من الأرض، والرّبع الجنوبيّ الذي هو فوق خط الاستواء غير مسكون ولا معمور، لشدّة الحرّ به، وممرّ الشمس - وهي أسفل فلكها - على سمته، فجفت مياهه وعدم حيوانه ونباته، لعدم الرطوبة».
قلت: وفيما ذكره الشريف في الانتهاء إلى أربع وستين درجة فقط، وإن كان الصحيح - نظر، فإنها في صورة لوح الرسم تتناهى إلى أكثر من ذلك، وتستكمل من خط الاستواء إلى نهاية الشمال سبعين درجة، سوى ما هو خارج عن خط الأقاليم، جنوبا وشمالا على ما نذكره في مكانه، وإنما غالب الجنوب والشمال لا عمارة فيه: إذ لا يمكن سكنه.
ومن تأمّل وضع العالم في لوح الرسم، رأى ذلك بالعيان، لخلوّ ما تحت لقطبين، الجنوبيّ والشماليّ، والخالي تحت الجنوبيّ أكثر بما لا يقاس، وهكذا في لجغرافيا وضعه.
وقد ذكر أبو عبيد مبلغ طول النهار في الأقاليم السبعة، حتّى انتهى إلى الإقليم السابع، ثم قال: «وأما ما وراء هذا إلى آخر المعمور، فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد البرغر وأرض الترك إلى اللان، ثم يمّر على البرجان والصّقالبة، وينتهي إلى بحر المغرب، وهو خارج عن الأقاليم السبعة»، انتهى كلام البكريّ، وسيأتي (إن شاء الله تعالى) مبسوطا في موضعه.
وإنّما ذكرناه هنا للاستدلال على أنّ الشمال أكثر عمارة من الجنوب، لأننا وجدنا وراء الإقليم السابع عمارة ممتدّة، وليس كذلك فيما وراء الإقليم الأول، اللهمّ إلا ما هو في قسم المشرق، وراء خط الاستواء، من الجزائر الممتدّة في البحر، آخذة إلى المحيط، أو ما هو في حكمها بالصين.
فأمّا قسم المغرب، فإنّا لم نجد وراء الأوّل فيما يأخذ إلى جهة الجنوب عرضا، وإلى البحر المحيط في نهاية المغرب طولا، عمارة، بل ولا على خطه المستقيم، بل ولا وجدنا العمارة به إلا ما هو داخل خطّ الإقليم الأول إلى الإقليم الثاني،
وسنذكر ما وجدناه من العمارة في كلّ منهما على ما نبينه.
فأمّا ما وقع من العمارة في قسم المشرق، من وراء خط الاستواء الذي هو أول الإقليم الأول، فنقول: إنّ صاحب الجغرافيا صور، فيما هو خارج عن خط
الاستواء من مركز دائرة الأرض المسماة عند أهل هذا الشأن قبّة أرين، جزرا عامرة مسكونة في البحر الهنديّ، من وراء سرنديب في الجنوب، وهي متصلة بها، وتقدير هذه الجزر في العرض، عرض إقليم واحد ونصف إقليم تقريبا، خلف الإقليم الأول، زائدا على الأقاليم السبعة في جنوب القسم الشرقيّ، وعرض هذا المقدّر بإقليم واحد ونصف إقليم من حيث يأخذ من قبّة أرين على خط الاستواء العرضيّ جنوبا محضا، ثلاثة أقسام، كل قسم مقدّر بنصف إقليم.
عرض أولها، - وهو المارّ مع خط الاستواء في خارجه ممتدّا على جانب الإقليم الأول في غالب النصف الشرقيّ من قبّة أرين إلى جزيرة الجوهر في البحر المحيط -، خمس درجات، وقد علّم عليه في لوح الرسم (هـ).
وعرض ثانيها، وهو الذي يليه، عشرة درجات، لارتفاع رأس الحمل والميزان، وقد علّم عليه في لوح الرسم (ى).
وعرض ثالثها، وهو الذي يليه، خمس عشرة درجة، وقد علّم عليه في لوح
رسم (يه)، وذكر بها من الجزر العامرة: فلاي وجزيرة القمر، وذكر أنّ طولها ربعة أشهر، ومنها سرنديب، داخل خط الاستواء في الإقليم الأول مماسّة له حيث هو من الطول من قبّة أرين مائة وخمس وستون درجة، وقد علّم عليه في لوح الرسم (قسه)، كلّ ذلك بحساب الجمّل.
وذكر في هذه الجزيرة، ممّا هو وراء خط الاستواء، مدنا، منها: حمران، ودهمى، ودافور، وديمي، وعما، ونخزلاتي، وتمكاد، وتياو، وموضع قدم آدم، ﵇ (جنوبي سرنديب، من وراء خط الاستواء)، وفزدرّا، وسونيه، وكيماما، وعيمي، ومحلاي، وملاي، وسمردي، يليهما جبل الذهب والحديد، قال إنهما به كير، وأتونا، ومعلا، وقنصورا، واسفيل، ثم جزيرة تعرف بالموجة، أمّ جزائر الصين، ثم جزيرة القشمير، ثم جزائر الواق واق، وجزيرة الدجّال إلى جزيرة الجوهر، في البحر المحيط.
وصوّر في البرّ المتّصل من جهة الصين، برزخا بين البحرين الهنديّ، حيث انعطف شرقيّ جزيرة الموجة أمّ جزائر الصين إلى الشمال، وبين البحر المحيط، وذلك البرزخ من ثلاثة أبحر: في الشرق، المحيط، وفي الجوف البحر الهنديّ حيث خرج، وفي الغرب، حيث انعطف، وبقي الشمال مكشوفا، متّصل به هذا البرزخ بالصين، وذكر فيه عدّة من المدن.
وأول ما نبدأ بما تغلغل إلى الجنوب، بعيدا عن خط الاستواء، حيث هو من الطول في الجغرافيا مائة وخمس وستون درجة وقد علّم عليه في لوح الرسم (قسه) ومائة وسبعون درجة، وقد علّم عليه في لوح الرسم (قع).
وأولها مدينة حميسه، ومدينة قيطغون، ومدينة شرما، ومدينة سرسه، ومدينة قلا، ومدينة خانفو (وهي الخنسا على فرضة من البحر الهنديّ خرجت
هناك في الصين ولم تمتدّ) مسامتة لجزيرة الياقوت في المحيط، وقد سمّاها الشريف بجزيرة بسياره، وليست في لوح الرسم بجزيرة، ولكن كالجزيرة، كلّ هذا خارج عن خط الاستواء،
وما وراء خط الاستواء (في القسم الغربيّ من قبّة أرين إلى البحر المحيط الغربيّ، مسامت الجزائر الخالدات، في جميع العرض إلى منتهى الجنوب) لا حظّ له في العمارة.
وأما ما وقع من العمارة وراء الإقليم السابع (مما ليس في حساب السبعة الأقاليم، وهو الذي أشار إليه أبو عبيد، حين ذكر مبلغ طول النهار في الأقاليم السبعة، وقد نبهنا عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى مبسوطا في موضوعه، وتقديره في العرض نصف إقليم، ممتدا على جانب الإقليم السابع من أول المشرق إلى نهاية المغرب، وسكانه على ما نبيّنه) فأوله من جهة الشرق قطعة معمورة بيأجوج ومأجوج، فيما هو داخل السدّ، وبلاد الروسيّة الثانية (وكلّها خارجة عن الإقليم السابع في الجزء الذي يليه)، وبلاد أنكرية في هذا الجزء، داخلة إلى الإقليم السابع.
وعرض هذا الجزء خمس وسبعون درجة، وقد علّم عليه في لوح الرسم (عه)، وفي بلوغ العمارة هذا الحدّ وتجاوز أربع وستين درجة، نظر.
قالوا: فأمّا الروسيّة، فعامرة آهلة، وكذلك الأنكرية، وأما بلاد سيسبان، فقد كانت عامرة آهلة مسكونة، ثم خربت من قديم، لإغارات يأجوج ومأجوج عليهم، ومن تأمّل لوح الرسم، رأى ذلك ممثّلا لعينه في الإقليم السابع، ورأى خط الإقليم الأول خاليا في القسم الغربيّ، والمعمور من داخله على فرقتي النيل:
برقة الآخذة على بلاد السودان من الشرق إلى الغرب حتّى يصب في البحر محيط، والفرقة الآخذة على غربيّ الحبشة إلى شرقيّ النّوبة إلى مصر حتّى صبّ في البحر الشاميّ، فعلمنا أن سبب عمارة ما وراء خط الاستواء من الجزر في القسم الشرقيّ، وما هو في حكمها، لاكتناف البحر الهنديّ لها، فرطّب سواءها، وأنبط ماءها، وأزال جفاف أرضها، فنبت بها النبات، وسكن الحيوان، لم يقع في قسم القسم الغربيّ، وراء خط الاستواء بحر يؤثّر فيه هذا التأثير، بقي على كيفيّة طبعه من اليبس والجفاف، لا يمكن به نبات نبات ولا حياة حيوان.
ووجدنا ما هو وراء خط الإقليم السابع، قد أمكنت عمارته بالنبات والحيوان بكيفيّة طبعه، لا بسبب آخر من خارج، فظهر حينئذ أنّ الشمال أوفق لمزاج الحيوان، فكان أعمر من الجنوب، لشدّة حر الجنوب على ما بيّناه، وهو موافق لرأي الشريف.
قال الشريف: «لا يكون الحيوان والنبات أبدا، إلّا حيث تكون المياه والرطوبات».
وقال البكري: «وركّب الله على الأرض جرم الشمس، لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من درج فلك البروج، فلذلك اختلفت حركة الشمس، فمحا مزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، فكان الجزء المعمور في الناحية الشمالية، إذ كان كل حيوان - بطبعه - أحمل للبرد منه للحرّ، ألا ترى أنه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يحصى كثرة، وكذلك من النبات، ولا يكون في النار
منه شيء، إلا الشاذّ النادر، إن صح ذلك فيه، كما زعموا أنه يتكون في أفران الزجاجين ضرب من سامّ أبرص، (وقد سماه أرسطو بالسّرفون وهي) حمر الألوان، إذا خرجت عن النار، هلكت، فوجب لهذه العلّة أن يكون اسم الأقاليم السبعة وتحديدها في الجزء الشماليّ من الأرض، كما ترى في لوح الدائرة.
وقد ذكر صاحب الجغرافيا أنّ جملة المعمورة أربعة آلاف ميل وخمسمائة ميل وثلاثون ميلا، وهذا أزيد مما حرّره الشيرازيّ بخمسمائة ميل وثلاثين ميلا، ولعلّ هذه الزيادة هي بمعمور ما هو وراء خط الاستواء في القسم الشرقي، وما هو خارج الإقليم السابع مارّ معه، فإن الشيرازي - والله أعلم - لم يحرر إلا معمور الأقاليم السبعة خاصة، وصاحب جغرافيا المعمور كلّه، فكان هذا التفاوت كلّه.
قلت: ولا أدّعي أنّ ما هو خارج عن الإقليم السابع متوغّل في الشمال، خارج خروجا مباينا كلّيا، ولكنّه خروج مماسّ مجاور، حكمه حكم ما هو على الخط، إذ لو كان خروجا مباينا، لكان إقليما ثامنا، وليس كذلك، إذ لا يمكن وجود نبات ولا حيوان لإفراط البرد والجمود، كما لا يمكن لإفراط الحرّ واليبس،
والحكماء تشبّه الأرض بجسد آدميّ: التراب لحمه، والمياه دمه، والحجارة عظمه، والرياح أنفاسه، والبخارات فضلاته، رأسه الصين، ووجهه الهند، وجيده ما وراء النهر، وصدره خراسان وما يليها، وقلبه العراق، ويداه الجنوب والشمال، وبطنه الشام، وسرّته جزيرة العرب، وعجزاه مصر والقسطنطينية، وفخذاه إفريقية وروميّه، ورجلاه برّ العدوة والأندلس.
وليس هذا التشبيه بشيء.
قال الشريف: «ومع كون الأرض كرة، هي غير صادقة الاستدارة، منها
منخفض مرتفع، ولهذا قيل فيما انكشف إنّه تضاريس، والبحر محيط بنصف الأرض إحاطة متصلة، دائر بها كالمنطقة، لا يظهر منها إلا نصفها، وهو ما دارت عليه الشمس في قوس النهار مثل بيضة مغرّقة في ماء انكشف منها ما انكشف، وانغمر ما انغمر» وقد تقدّم هذا التمثيل.
وقال شيخنا، فريد الدهر، أبو الثناء محمود [بن] أبي القاسم الأصفهانيّ، أمتع الله به: «لا أمنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الأرض من جهتنا، منكشفا من الجهة الأخرى، وإذا لم أمنع أن يكون منكشفا من تلك الجهة، لا أمنع أن يكون به من الحيوان والنبات والمعادن مثل ما عندنا، أو من أنواع وأجناس أخرى».
والذي ظهر لنا من ذلك عقلا ونقلا ذكرناه، وبالله التوفيق!.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع