تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

منى

(حيث ترمى الجمرات، وتهمى العبرات، ذوات الليالي المقمرات، والأيّام التي سلخ من الكافور ثياب عشاياها المعنبرات، يحلّى بها من كل ترب عاطله، ويلتقي في كل سرب كل ذي دين وماطله).

وهي بطحاء بين جبلين، مهدّفة الجوانب، فيها مجتمع الحجيج. والمحصّب منها موضع الجمرات. وهي على مدرجة السوق الأعظم، حيث ينصب كلّ سنة، أيام الموسم. يجتمع فيه الخليطان من شام ويمن، وتنزل الركوب به في منازلهم:

من شرف الوادي إلى حيث تنحر البدنات تحت العقبة الأولى، حيث تنصب سقايات الحاجّ.

وكانت في قديم الإسلام موسم لقاء الحبائب، ومكان موعد كل مفارق.

وثلاث ليالي منى معروفة موصوفة، قد أكثر فيها الشعراء وترنم بها المتيّمون.

وبمنى بيوت هي كالقرية. منها ما هو مسكون ومنها ما هو برسم بضائع الكارم، أيام الموسم، تكرى بأجرة طائلة.

وبها آبار متخذة لخزن ماء الأسنية، يباع على الحجيج. وهو ماء ثقيل وبيء:

لما يحمل من أوساخ الذبائح، وبقايا الأضاحي، ودماء القرابين.

وفيها مسجد الخيف. وهو على يمين المتوجه من مكة إلى عرفات. والخيف هو البستان. وجدّد بناؤه في الأيام الزاهرة الناصرية، سقى الله عهدها!.

وفيها مسجد إسماعيل، ويسمى بمسجد الكبش. وهو على يسار المتوجّه من منى إلى عرفات. يقال إن الفداء لإسماعيل نزل به (وينزل المصريون منه إلى منى، وينزل المكّيّون منه إلى معرّف، ويقع تجاه مسجد الخيف منحرفا عنه على ذروة من الجبل. يحيل بينهما مجرى ماء من ماء الشتاء. ينزل فيما يليه إلى الطريق العظمى ركبان العرب).

جمع - هي المزدلفة. وكلها مشعر إلا بطن محسّر. ومنها تؤخذ حصى الجمرات. وبذلك فسّر عليّ وابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾. قالا: يعني المزدلفة.

ومسجد المزدلفة عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات. وفيه يجمع بين المغرب والعشاء، إذا نفر الحاجّ من عرفات. وهي التي عنى الشريف الرضي بقوله:

عارضا بى ركب الحجاز نسائلهـ: متى عهده بأيّام سلع؟
واستملّا حديث من سكن الخيف ولا تكتباه إلا بدمعي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عارضا بي ركب الحجاز أسائل»
فاتني أن أرى الديار بطرفي،فلعلّي أرى الديار بسمعي!
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عارضا بي ركب الحجاز أسائل»
لهف نفسي على ليال تقضّتلي بجمع! وأين أيام جمع؟

قال الزمخشريّ فيقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اَللّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾.: المشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.

وقيل: المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة إلى مأزمي عرفة إلى وادي محسّر.

وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.

والصحيح أنه الجبل. لما روى جابر أن النبيّ ﷺ لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - ركب ناقته حتّى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهلل. ولم يزل واقفا حتّى أسفر.

وقوله [تعالى] ﴿عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام، قريبا منه.

وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة. وإلا فالمزدلفة كلها موقف، إلا وادي محسّر. وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به، عند المشعر.

وقيل سميت «المزدلفة» و «جمعا» لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها، أي دنا منها. وقال قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. ويجوز أن تكون وصفت بفعل أهلها، لأنّهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقرّبون بالوقوف فيها». وعن عليّ: «لما أصبح رسول الله ﷺ وقف على قزح، فقال: هذا قزح! وهو الموقف». وجمع كلّها موقف.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.