من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أنصاب الحرم
هي العلامات المبنية على حدود الحرم.
وأول من بناها إبراهيم (صلوات الله عليه). وأشار له جبريل إلى مواضعها.
هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقي وغيرهما.
وروى الأزرقي أن النبيّ ﷺ أمر بتجديد العلامات التي على الحرم، التي عملها إبراهيم، وجبريل يريه مواضعها، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية.
وهذه العلامات بيّنة إلى الآن بحمد الله تعالى.
وحدّ الحرم، من طريق مدينة النبيّ ﷺ - دون التنعيم عند بيوت نفار - على ثلاثة أميال من مكة،
ومن طريق اليمن، طرف أضاة لبن في ثنيّة لبن، على سبعة أميال،
ومن طريق العراق، على ثنية جبل بالمقطع، على سبعة أميال،
ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد، على تسعة أميال،
ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نمرة، على سبعة أميال،
ومن طريق جدّة، منقطع الأعشاش، على عشرة أميال.
فهذه حدّ ما جعله الله تعالى حرما، لما اختصّ به من التحريم، وباين بحكمه سائر البلاد.
وصحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد (يعني مكة) حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض». وفي رواية: «قبل أن يخلق السماوات والأرض».
فيكون تحريمها قبل خلق السماوات والأرض كتابة تحريمها في اللوح المحفوظ، أو تقدير حرمتها. وروي عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم حرّم مكّة. ومعناها أظهر حرمتها. قال السّهيليّ: روي في التفسير أن الله تعالى لما قال للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم. فلذلك حرّمها. فصارت حرمتها كحرمة المؤمن: إنما حرم دمه وعرضه وماله، بطاعته لربه. وأرض الحرم لما قالت «أتينا طائعين»، حرم صيدها وشجرها وخلاها، إلّا الإذخر، فلا حرمة إلا لذي طاعة.
جعلنا الله من أهل طاعته!
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شجره ولا ينفّر صيده ولا يختلى خلاه».
وما زال الناس في الجاهلية والإسلام يعظّمون هذا الحرم ويجتنبون قطع شجره. قال الواقدي: «لما أن أرادت قريش البنيان، قالت لقصيّ: كيف في شجر الحرم؟ فحذّرهم قطعها وخوّفهم العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يحرّف بالبنيان حول الشجرة، حتّى تكون في منزله. قال: وأول من ترخص في قطع شجر الحرم، عبد الله بن الزبير».
قال السّهيليّ: ابتنى ابن الزبير دورا بقعيقعان وترخص في قطع شجر
الحرم، وجعل دية كل شجرة بقرة. وكذلك روي عن عمر أنه قطع دوحة كانت في دار أسد بن عبد العزّى، وكانت أطرافها تنال ثياب الطائفين بالكعبة. وذلك قبل أن يوسّع المسجد. فقطعها ووداها ببقرة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع