من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وأما ما ورد في فضله
فمنه حديث أنس. قال: قال: «رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة، وفي مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة».
وعن أبى ذرّ قال: قيل: يا رسول الله! صلاة في بيت المقدس أفضل، أم صلاة في مسجد رسول الله ﷺ؟ قال: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من
أربع صلوات فيه. ولنعم المصلّى! هو أرض المحشر والمنشر، وليأتينّ على الناس زمان، ولبسطة قوس من حيث يرى بيت المقدس، أفضل وخير من الدنيا جميعا!»
وصحّ عن موسى ﵇ أنه لما احتضر قال: يا رب أدنني من الأرض المقدّسة رمية بحجر!.
ونزله أبو ذرّ وأكثر فيه الصلاة. وصلّى فيه ابن عمر. ومات فيه عبادة بن الصامت، وشدّاد بن أوس، وأبو أبي بن أمّ حرام، وأبو ريحانة (واسمه شمعون) وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري. هؤلاء من أهل بيت المقدس ماتوا به. والذي أعقب منهم عبادة وشدّاد وسلامة بن قيصر وفيروز الديلميّ. والذي لم يعقب منهم أبو ريحانة وأبو محمد النجارىّ وذو الأصابع.
وقال أبو الزاهرية: «أتيت بيت المقدس أريد الصلاة. فدخلت المسجد وغفلت عني سدنة المسجد، حتّى أطفئت القناديل، وانقطعت الرجل، وغلّقت الأبواب. فبينا أنا كذلك إذ سمعت حفيفا له جناحان، قد أقبل وهو يقول:
«سبحان الدائم القائم! سبحان القائم الدائم! سبحان الحيّ القيّوم! سبحان الملك القدّوس! سبحان رب الملائكة والروح! سبحان الله وبحمده! سبحان العليّ
الأعلى! ﷾». ثم أقبل حفيف يتلوه، يقول ذلك. ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها، حتّى امتلأ المسجد. فإذا بعضهم قريب مني. فقال:
آدميّ؟ فقلت: نعم. فقال: لاروع عليك، هذه الملائكة! قلت: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى! من الأوّل؟ قال: جبريل، قلت: ثم الذي يتلوه؟ قال:
ميكائيل. قلت: من يتلوهم بعد ذلك؟ قال: الملائكة. قلت: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى. ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها مرة في كل يوم، لم يمت حتّى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له».
وروى أبو عبد الله بن باكويه، بسنده إلى محمد بن أحمد الصوفىّ، قال:
قال لي أستاذى أبو عبد الله بن أبي شيبة: "كنت ببيت المقدس. وكنت أحبّ أن أبيت في المسجد، وما كنت أترك. فلما كان في بعض الأيام، بصرت في الرواق بحصر قائمة. فلما أن صليت العتمة وراء الإمام، أتيت الحصر، فاختبأت وراءها. وانصرف الناس والقوّام. ثم خرجت إلى الصخرة. فلما سمعت غلق الأبواب، وقعت عيني على المحراب وقد انشق ودخل منه رجل ثم رجل إلى أن تم سبعة. واصطفّ القوم. ولم أزل واقفا شاخصا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح. فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا"
وبه إلى ذي النون قال: «بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس، سمعت صوتا يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدّام، ولهت بالطاعة عن الشراب والطعام،
وألفت قلوبهم طول القيام، بين يدي الملك العلام! فتبعت الصوت. فإذا أمرد مصفرّ الوجه، يميل ميل الغصن إذا حركته الريح، عليه شملة قد اتّزر بها، وأخرى قد اتّشح بها. فلما رآني، توارى عني بالشجر. فقلت: ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين. فكلّمني وأوصني. فخرّ ساجدا، وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك وألّف محبتك! فيا إله القلوب، احجبني عن القاطعين لي عنك! قال: فغاب عنّي ولم أره.
وروى عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنادِ اَلْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: من صخرة بيت المقدس. وقال يزيد بن جابر في الآية: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فينفخ في الصّور، فيقول: أيتها العظام النّخرة، والجلود المتمزّقة، والأشعار المتقطعة، إن الله تعالى أمرك أن تجتمعى للحساب!.
وروى ابن منده بسنده عن أنس بن مالك قال: إن الجنة لتحنّ شوقا إلى بيت المقدس. وبيت المقدس من جنة الفردوس، وهي سرة الأرض. (يعني الصخرة).
وبه عن أبى إدريس الخولانىّ قال: يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماوات والأرض. ثم ينصب عليها عرشه. ثم يقضي بين عباده، يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِلَى اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ قال: من بركتها أن كل ماء عذب
يخرج من أصل صخرة بيت المقدس.
قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ اَلْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ قالوا: هو إسرافيل. يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس، هلمّوا إلى الحساب! إن الله يأمرّكم أن تجتمعوا لفصل القضاء! (وهذه هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب صخرة بيت القدس).
قال كعب ومقاتل: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثنى عشر ميلا.
وروى أن كعبا قدم إيلياء فرشا [حبرا] من أحبار يهود بضعة عشر دينارا على أن دلّة على الصخرة التي قام عليها سليمان بن داود لما فرغ من بناء المسجد.
وصلّى مما يلي ناحية باب أسباط. فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة ثم استقبل بيت المقدس كله. فدعا الله ﷿ بثلاث. فأراه تعجيل إجابته في دعوتين، وأرجو أن يستجيب في الثالثة. فقال: «اللهم هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب» فأعطاه الله ﷿.
وقال: «اللهم هب لي ملكا وحكما يوافق حكمك!». ففعل الله ﷿ ذلك به. ثم قال: «اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه، إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه!».
هذه نبذة يسيرة من ابتداء وضعه.
وأما ما يتعلق بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستيلاء الفرنج عليه، ثم فتحه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتسليمه إلى الفرنج بعد ذلك في أيام الملك الكامل، ثم استنقاذه منهم بعد ذلك على يد الناصر داود بن المعظّم، فليس هذا موضعه.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في التاريخ التلويح بذلك والإشارة إليه. فهناك ذكره أنسب.
ولنذكر الآن ما يتعلق بصفة المسجد الأقصى، وما اشتمل عليه من المزارات، على ما استقر عليه بناؤه إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وقد ألّف في ذلك الصاحب تاج الدين أبو الفضائل أحمد بن أمين الملك تأليفا صغيرا سماه: «سلسلة العسجد، في صفة الصخرة والمسجد». نقلت منه ما يليق بهذا الموضع، معتمدا في ذلك على ما حرّره بالذراع.
ونبتدئ بذكر الصخرة الشريفة والبناء المحيط بها، فنقول:
أما البناء المبارك من وجه الصحن المفروش بالبلاط المصقول، فارتفاعه ثمانية
عشر ذراعا، يعلو ذلك كرسي القبة، وارتفاعه عشرة أذرع وربع، ودوره مائة وثلاثة أذرع وثلثا ذراع. في دوره ستة عشرة طاقة زجاج مذهبة، بظاهرها شبابيك، وهي مثمنة الأركان. كل تثمينة تسعة وعشرون ذراعا وثلثا ذراع.
والبناء من ظاهره مكسو منه ارتفاع سبعة أذرع بالرخام الأبيض المشجّر. ومن أعلاه سبعة أذرع إلى الميازيب بالفصّ المذهب المشجّر المختلف. وتحتوي كل تثمينة على سبع طاقات: اثنتان في الطرفين مسدودتان، والخمسة مركب عليها الزجاج، ومن ظاهرها الشبابيك الحديد. ومن أعلى الميازيب حائط ارتفاعه أربعة أذرع، مسكوب بالفص بالصفة المذكورة، مشخص في كل تثمينة منه ثلاثة عشر محربا. ولها أبواب أربعة: فالقبلي ارتفاعه ستة أذرع وربع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وثمن. وأمامه من خارج رواق مفروش بالرخام الأبيض المشجّر طوله من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف، وعرضه أربعة. سقفه بسط مدهون والوسط أمام الباب قنطرة بالفص المذهب، محمول على ثمانية أعمدة من الرّخام: منها غرابي اثنان في طرفيه، وخضر مرسينيّ تلوهما أربعة و «شحم ولحم» اثنان، بين الأعمدة الغرابي والخضر هناب رخام منقوش الظاهر سعته ذراع وثلث. تنزل فيه المياه المنحدرة من المزاريب.
ويغلق على الباب المذكور مصراعان من الأبواب ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش. وعلى يمنة الداخل ويسرته درابزين خشب ارتفاع ثلثي ذراع، في رؤوس التثمينة الأوّلة خاصة. ويقاس من عتبة هذا الباب من داخل إلى وجه الأعمدة الآتي ذكرها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، بأعلاها سقف بسط مدهون بأنواع الدهان، ارتفاعه خمسة عشر ذراعا، محمول على حائط الصخرة والأعمدة،
والحائط من باطن التثمينة، ملبّس جميعه بالرخام بغير فص بانبذاريه رخام منقوشة تقدير ذراع مذهبة.
كل تثمينة من هذا السقف محمولة على ساريتين ملبسة بالرخام المشجر والملوّن البديع. دور كل سارية أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطولها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجهها الذي يلي الصخرة بقرنتين. ومع السارية عمودان: أحدهما «شحم ولحم» والآخر أخضر مرسيني. بين كل عمود لأخيه خمسة أذرع. ودوره ذراعان وثلثا ذراع. وارتفاعه خارجا عن القواعد ستة ونصف يعلوها «بساتل» ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب فوق نقشه. يعلو «البساتل» قناطر بالفص المذهب البديع.
بهذه التثمينة الأولى، ثمانية سوار وستة عشر عمودا: منها أبيض وأزرق عشرة، وأخضر مرسيني ثلاثة، و «شحم ولحم» ثلاثة.
وتقيس من واجهة قواعد هذه العمد عشرة أذرع لتثمينة ثانية عليها سقف «مقالي» مذهب، ارتفاعه ارتفاع السقف الأوّل. و «مقاليه» مركبة بغير تسمير لأجل كنس السقف. والسقف الذي يعلوه الرصاص خمسة أذرع من الباطن.
وبآخر هذه التثمينة الدائرة الدرابزين المحيط بدور القبة. والحامل للقبة أربعة سوار
مربعة ملبسة بالرخام مثل الأولى. بين كل سارية وسارية ثلاثة أعمدة من الرخام «الشحم واللحم» والأخضر المرسيني. يعلو ذلك قناطر من الوجهين: فص مذهب، والباطن رخام أبيض وأسود. جملة الأعمدة الحاملة للقبة اثنا عشر عمودا: منها أخضر مرسيني سبعة، و «شحم ولحم» خمسة.
قال: ولقد قست عمودا منها «شحما ولحما» فكان دوره ثلاثة أذرع ونصفا وارتفاعه خارجا عن القواعد سبعة أذرع وثلثي ذراع.
وارتفاع هذه القبة الخشب المذهبة من قطبها إلى ظاهر الصخرة الشريفة سبعة وأربعون ذراعا، ومن ظهر الصخرة لباطن أرض المغارة ستة أذرع، ومن ظاهر القبة الخشب إلى القبة الثانية المكسوّة بالرصاص ذراع ونصف.
(قال: ولقد قست الدور الحامل للقبّة بالأعمدة والسواري فكان مائة وثلاثة أذرع). وصفة الشباك الحديد الذي بين هذه العمد والسواري، له أربعة أبواب: الشمالي منها مغلق، والثلاثة مفتوحة. فأما القبلي فيصعد إليه بدرجتين. ومن حد عتبته من داخل إلى صدر الصخرة أربعة أذرع ونصف وربع. وحجر الصخرة من هذه الجهة ملبس بالرخام الملوّن ارتفاع ذراعين.
ويحيط بحجر الصخرة من تتمة أقطاره درابزين من الخشب المنقوش، دوره أربعة وسبعون ذراعا. وبآخر هذه الصخرة المرخمة من غرب إلى جهة الشمال حجر صغير محمول على ستة أعمدة صغار. قيل إنه أثر قدم النبيّ ﷺ ليلة المعراج. وقبالة القدم المشار إليه مرآة من السبعة معادن يسمونها «درقة
حمزة» محمولة على ثلاثة أعمدة لطاف: منهن اثنان «روحان في جسد». وارتفاع الشباك الحديد أربعة أذرع وثلثا ذراع، تعلوه شرفة خشب مدهونة. وبأعلى الشرفة شمعدانات حديد.
والمحراب الذي يصلي به إمام الصخرة عن يمين الداخل من الباب القبليّ داخل الدرابزين الخشب المقدّم الذكر. وتجاه المحراب باب مغارة للصخرة الشريفة، معقود قنطرة بالرخام الغريب، على عمودين «شمعية» ينزل إلى باطنها بأربع عشرة درجة. طول باطن المغارة من الشرق للغرب عشرة أذرع، وعرضها سبعة ونصف من القبلة للشمال. وجميع باطن أرض الصخرة والمغارة مفروش بالرخام.
وبباطن المغارة المذكورة محرابان على اليمين واليسار. كل محراب على عمودي رخام لطاف. وأمام المحراب الأيمن صفّة تسمّى «مقام الخضر». طولها من الشرق للغرب ذراع وثلثا ذراع، ومن القبلة للشمال ذراعان وربع. يواجهها عمود رخام قائم للسقف، وعمود راقد مردّ لها. وبالركن الشماليّ من المغارة صفّة نقر في الصخرة يسمونها «مقام الخليل». عمقها من القبلة للشمال ذراع ونصف، ومن الشرق للغرب ذراع وربع.
وأما الباب الشرقيّ من بناء الصخرة، فهما بابان: أحدهما داخل الآخر. جعل الباب الخارج وقاية للداخل من الأمطار والثلوج. ملبس بالرخام. رحاب مابين البابين عرضه أربعة أذرع وربع، وطول خرجته اثنا عشر ذراعا ونصف.
على يمنة الخارج بيت للبوّاب. وبه محراب محمول على ثلاثة أعمدة لطاف، وعلى يسرته بيت للقناديل محمول على أربعة أعمدة خضر مرسينيّ وزرق. وعقد ما بين البابين بالفص المذهب. ومن عتبة الباب الثاني منهما إلى العمد سبعة أذرع وثلثان وهو الحامل للسقف البسط.
ومن واجهة العمد للشباك الحديد أحد عشر ذراعا. ومن باطن الشباك الحديد إلى الدرابزين الخشب الساتر للصخرة أربعة أذرع وربع. ومن حدّ هذا الباب الشرقيّ، على يسرة الداخل منه طالبا للقبلة على مسافة تسعة أذرع، عمودان مرسيني أخضر. بأعلاهما دقيسي مذهب يطلع من باطنه إلى ظهر سقف الصخرة والقبة. وأما الباب الشمالي ويسمّى باب الجنة فله خرجة كالتي في الباب الشرقي وصفتها وحليتها.
وفيما بين العمودين اللذين أمام الباب - داخل درابزين خشب مذهب به محراب لطيف - إشارة على الرخامة السوداء التي يصلي الناس عندها. وفقدت هذه الرخامة من مدّة زمانية، وعمل مكانها رخامة خضراء. والناس يصلون ويدعون عندها.
وأما الباب الغربي فله خرجة كالبابين الشرقيّ والشماليّ وسعة ما بين تثامين الصخرة من داخل مثل الباب الشماليّ خلا السعة من الشباك الحديد لدرابزين الصخرة فإنه ستة أذرع وثلثا ذراع. هذا ما يتعلق بصفة الصخرة والبناء المثمن المحيط بها.
وأما الصحن المحيط بها، فجميعه مفروش بالبلاط الجليل المصقول. وذرعه من القبلة للشمال مائتا ذراع وتسعة وعشرون ذراعا، ومن الشرق للغرب مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع.
وذرع ما بين الرواق الذي قبليّ الباب القبليّ من أبواب الصخرة إلى رأس السلالم الموصلة للجامع، ثلاثة وخمسون ذراعا، ومن رأس السلالم إلى عتبة الجامع مائة وخمسون ذراعا ونصف وربع. وبأعلى هذه السلالم أربع قناطر محمولة على ثلاثة أعمدة وركنين من البناء: منها عمودان صوّان أحمر، والوسطاني رخام أبيض فيه نقر مربع.
ذكروا في التواريخ أن الدعاء عنده مستجاب.
وشرقي هذه القناطر على مسافة أربعين ذراعا قناطر مثلها. أعمدتها اثنان أخضر مرسيني. وفيما بين هاتين القنطرتين في سفل الحرم صفّة كبيرة تسمى صفة السّبع درج. يقال إنها مأوى الصالحين والسّيّاح في الليل، وعليها يتركعون.
وبجانب القنطرة المذكورة أولا، مدهون صورة محراب، بخدّيه عمودا رخام لطاف. وفي ركنها الغربيّ قبتان من رخام، واحدة تعلو الأخرى: كل منهما قطعة واحدة، تسمى قبة الميزان، محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام «الشحم واللحم» بقواعد «شمعية». والقبة التي عليها كمثل ارتفاع القبة المذكورة بكمالها: ثمانية أذرع وثلثان. وارتفاع العمد السّفليّ ذراعان وسدس، وارتفاع العمد الفوقاني ذراع ونصف وربع. وتعرف أيضا بقبة النجو.
وبالقرنة القبلية من جهة غربيّ الصحن موضع يعرف بالمدرسة المعظمية، طولها من ظاهرها أربعة وثلاثون ذراعا، وعرضها من القبلة للشمال سبعة أذرع.
لها بابان يفتحان للشمال، بخدّهما ثلاثة أعمدة من الرخام، كل عمود به أربعة في جسد واحد، ملفوفة "مثعبنة". وتلو ذلك عمودان لطاف. وارتفاع بنائها تسعة أذرع من أرض صحن الصخرة.
ويدخل من البابين المذكورين لرواق طوله ثمانية عشر ذراعا ونصف في عرض ستة، بسقف شامي مذهب ثلاثة عشر مربعا. بصدره القبلي ثلاث طاقات مطلة على الحرم وأبواب الجامع.
وبالجهة الغربية منه قبة معقودة. بكل جهة من جهاتها القبليّة والشماليّة والغربية ثلاث طاقات. ولجهتها الغربيّة باب للدخول إليها من الرواق المذكور، وطاقة تطلّ على الرواق المذكور.
وبالجهة الشرقية من الرواق المذكور قبة ألطف من هذه. سكن الإمام، وقيم المكان، وحاصل الزيت.
ورتب الملك المعظم لها إماما مفردا يصلي الصلوات الخمس. ورتب بها خمسة وعشرين نفرا من طلبة النحو وشيخا لهم، وشرط أن يكونوا حنفية من جملة طلبة مدرسته التي خارج الحرم. ووقف على ذلك قرية تسمّى بيت لقيا، من عمل القدس الشريف. وعلى سقفها مكتوب أنّه اهتمّ بعمارة ذلك في سنة ثمان وستمائة.
وأمام الشبابيك الشماليّة التي بالقبة الغربيّة من هذا الرواق، على تقدير خمسة أذرع، ممشاة معقودة عدّتها سبع عشرة درجة، عرض كل درجة ذراع، يتوصل منهنّ إلى سفل الحرم.
وأمام القبة الشرقية من هذا الرواق صفّة عليها رخامة منقوشة مزولة لإخراج ساعات النهار، طولها من الشرق للغرب ذراعان وثلثان، وعرضها ذراع وثلث، وارتفاعها ذراع ونصف.
ويقابل هذه المدرسة في القرنة الشرقية من هذا الصحن قبة لطيفة مكسوة من ظاهرها بالبياض، خلوة لبعض المتصدّرين بالحرم الشريف، يفتح بابها للشمال. وتتمة جهاتها الثلاث بكل منهن طاقة مطلة على الحرم.
وفي حائطي هذا الصحن الغربية والشمالية مسطبتان تعلو إحداهما قبة من جهة الغرب والأخرى في الشمال سقف على عمودين رخام، يصلي عليها المبلّغون في الصلوات الخمس.
وذرع ما بين عتبة الباب الشرقيّ إلى حدّ الدرج، نهاية صحن الصخرة المبلط من جهة الشرق، ستة وسبعون ذراعا.
وبأعلى هذا الدرج خمس قناطر معقودة على أربعة أعمدة وساريتين، بخدّهنّ القبليّ والشماليّ خلوتان للفقراء المجاورين بالحرم. وارتفاع عقد هذه القناطر عشرة أذرع، أسوة ارتفاع القناطر التي على سائر السلالم. وبقي ثلاث قناطر منهنّ مفتوحة، يخرج منهنّ إلى هذه الدرج المسماة بدرج البراق.
وعدّتهن ست وثلاثون درجة. وذرع ما بين أوّل درجة من هذا الدرج إلى حدّ السور الشرقيّ مائة وستة وخمسون ذراعا وثلث. وذرع ما بين الباب الشرقيّ البرّانيّ وقبة السلسلة خمسة أذرع ونصف وربع.
وهذه القبة محمولة على أثني عشر عمودا أخضر مرسينيّ و «شحم ولحم».
طول كل عمود، خارجا عن قواعده، ثلاثة أذرع وثلث وربع وثمن، وارتفاع سقفها البسط الملبس بالرصاص ثمانية أذرع.
جميع ما بين الأعمدة محروف. وما بين العمود والعمود متّكاية من الحجر الصوّان المنحوت المجلي، تقدير شبر لا غير. طول كل قطعة من هؤلاء أربعة أذرع
ونصف. وعرض ما بين عمودي المحراب خمسة أذرع مسدود بالرخام الملوّن بخدّي المحراب عمودان رخام أبيض. وبأعلى هذه الأعمدة قناطر ملبسة بالفص المذهب والأخضر المختلف الألوان. ارتفاع القناطر ذراعان وربع، وسعتها من المحراب لآخرها ثمانية عشر ذراعا. وبباطن هذه القبة قبة محمولة على ستة أعمدة أخضر مرسيني و «شحم ولحم». ما بين العمود والعمود أربعة أذرع سعتها ثمانية أذرع ونصف. بأعلى الأعمدة قناطر ملبسة بالفص، طول أربعة أذرع ونصف. والقبة الخشب من أعلى ذلك.
روى أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المقدسي الخطيب، بسنده إلى أبي مالك بن ثعلبة، قال: سمعت إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله يحدّث عن أبيه عن جدّه (يرفعه) «أن سليمان بن داود جعل سلسلة معلّقة من السماء إلى الأرض ليتبيّن المحقّ من المبطل، فالمحق ينالها والمبطل لا ينالها، وأن يهوديا استودع مائة دينار فجحدها. فجاؤوا إلى السلسلة - وقد سبك اليهوديّ الذهب في عصا - وناولها صاحب المال وحلف: لقد أعطيته دنانيره. وحلف الآخر أنه لم يأخذ. فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم» ويقال إن السلسلة كانت موضع القبة المذكورة. والله تعالى أعلم.
وذرع ما بين الباب الشماليّ من أبواب الصخرة (المسمى بباب الجنة) إلى منتهى الصحن المحيط بها إلى القناطر الثلاث المعقودة على عمودين رخام وساريتين مائة وثمانية أذرع.
(وينزل من هذه القناطر في ثمان درج إلى الحرم الشريف. وأمام الدرج ممشاة مستطيلة مفروشة بالبلاط، عرضها خمسة أذرع وربع وينتهي متشاملا إلى باب الحرم المعروف بباب شرف الأنبياء، وطول هذه الممشاة مائة ذراع وثمانية وسبعون ذراعا. وسيأتي - إن شاء الله - ذكر هذا الباب عند ذكر أبواب الحرم)..
وعن يمين الداخل من هذه القناطر ويسراه في منتهى شمالي الصحن مسطبتان. طول كل منهما ثمانية أذرع ونصف، من الشرق إلى الغرب، وعرضها من القبلة للشمال ذراعان وثلثا ذراع. يصلي الناس عليهما.
ومن هذا الباب الشمالي على مسافة اثنين وأربعين ذراعا طالبا للغرب عمل مسطبة ارتفاعها عن الصحن المبلط ثلث ذراع، وطولها من الشرق للغرب ثلاثة عشر ذراعا وثلث، وعرضها من القبلة للشمال عشرة أذرع. بني عليها قبة مثمنة، تسمّى قبة المعراج. بابها يفتح للشمال، سعته ذراع وثلث، وطوله ذراعان وثلث. بظاهر القبة المذكورة حاملا لأركانه من الأعمدة الرخام الأبيض ثلاثون عمودا. طول كل عمود، خارجا عن القواعد، ذراعان وثلثا ذراع.
والتثمينة التي بين الأعمدة ملبسة ألواح رخام ملكيّ مشجرة بأزرق. يصعد إلى بابها بثلاث درج رخام. ثم ينزل إلى داخلها بمثلهنّ.
أرضها مفروشة بالرخام الأبيض. وحيطانها من داخل كذلك، مثل الظاهر.
بباطنها من الأعمدة أيضا ثمانية عشر عمودا، وبأعلى الرخام المذكور طاقات نصاص شبه الجبس «المكندج» ثلاثة، وزجاج أربعة. وبأعلى الطاقات كرسىّ
القبة. وعرضها من الشرق للغرب سبعة أذرع، ومن القبلة للشمال ستة أذرع وربع. سعة محرابها ذراع وثلثا ذراع، وهو بأوّل المسطبة لجهة القبلة. والباب والسّلام بآخرها لجهة الشمال. وتتمة المسطبة يصلي عليها الناس.
ومن قطب القبة لأرضها ارتفاع ستة عشر ذراعا. وبظاهرها في أعلاها قبة لطيفة مكان الهلال، محمولة على ستة أعمدة صغار رخام شمعية، طول كل واحد منها تقدير ذراع.
وذرع ما بين الباب الغربيّ إلى رأس القناطر التي أمامه بآخر صحن الصخرة من جهة الغرب ثمانية عشر ذراعا وثلثا ذراع. وهي أربع قناطر معقودة على ثلاثة أعمدة مكتّبة بالأزرق وساريتين. وينزل من هذه القناطر بأربع وعشرين درجة إلى الحرم. ومن حدّ هذه الدرج إلى السور الغربي (وهو الذي فيه الباب الجديد المعروف الآن بباب القيسارية، وفيه باب الميضأة وسائر الأبواب الغربية الآتي ذكرها إن شاء الله عند ذكر أبواب الحرم) خمسة وثمانون ذراعا وثلث ذراع.
وبظاهر هذا الصحن من الصهاريج المركب على فوّهة كل منهنّ خرزة رخام أو حجر منحوت سبعة، لهن تسعة أبواب. منها بالجهة القبلية بئر يعرف بالرّمّانة له بابان: هذا الباب الذي بالصحن، وباب بسفل الحرم أمام الجامع، وبالجهة الشرقية بئران، يعرف أحدهما بالشوك، ويعرف الآخر ببئر الورد، له
بابان جميعهما من صحن الصخرة الشريفة. وبالجهة الشمالية بئر يعرف بباب الجنة. وبالجهة الغربية ثلاث آبار: إحداها يعرف بالكاس لأن على فوّهته كأس رخام طويل، والآخر له بابان من الصحن، والآخر بفرد فم.
وإذ ذكرنا ما في هذا الصحن من الصهاريج، فلنذكر ما في سفل الحرم من الصهاريج، فنقول:
في سفل الحرم من الصهاريج خمسة عشر صهريجا.
بالجهة القبلية ستة: بالقرب من الزاوية الفخرية واحد، وبباب الجامع واحد، وداخل باب الجامع الشرقيّ واحد، ويسمى ببئر الورقة، وله بابان أحدهما هذا الذي داخل باب الجامع، والآخر في مكان يعمل فيه نجارة الحرم، والبئر الأسود، وله ثلاثة أبواب: أحدهما ينزل إليه بدرج، وبئر يعرف بالبحيرة، له بابان، وبئر في الحاكورة التي عند الباب الشرقيّ، وله بابان: واحد في الحاكورة، وباب خارج عنها.
وبالجهة الشرقية ثلاثة آبار: منها بالقرب من باب الرحمة واحد، له بابان.
وبالجهة الشمالية ثلاثة آبار: بئر بركة بني إسرائيل، وبئر بباب شرف الأنبياء، وبئر بالرواق الحامل للزاوية المعروفة باللاوي وخانقاه الإسعرديّ.
وبالجهة الغربية ثلاثة: أحدها بباب الغوانمة، والآخر عند باب الرباط المنصوريّ وله بابان: باب في الحاكورة، وباب خارج عنها، يعرف بابن عروة، وبئر عند الباب الحديدي مغطّى بحصر الأروقة.
وهذه الآبار الاثنان والعشرون معمرة بالمياه.
وهناك أيضا غيرها ثلاثة صهاريج خربة معطلة. واحد عند درج الميزان، والثاني عند محراب عمر، والثالث تحت الزيتونة بالجهة الشرقية من الحرم.
وقد استوعبنا الآن صفة صحن الصخرة وما اشتمل عليه.
فلنذكر ما بباطن الحرم من المساجد والمزارات والأبنية وغير ذلك، ونبتدئ أولا بذكر السور المحيط بذلك جميعه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع